عبدالله العقيبي
هناك لحظات في تاريخ الفن لا تبدو مهمة في وقتها. تمرّ كأنها تجارب فردية معزولة، لوحات وأعمال يرسمها أشخاص قليلون في أطراف المشهد الثقافي، وفي مواقع جغرافية متباعدة، وتواصل شبه معدوم مع الجمهور، ومع الفنانين فيما بينهم أيضًا، دون أن يدرك أحد أنهم كانوا يضعون حجرًا أول في بناء سيصبح لاحقًا مشهدًا كاملاً. فبعد عقود سيتضح أن تلك اللحظات لم تكن مجرد جهود ومحاولات متفرقة، لقد كانت بداية قصة جميلة وطويلة.
معرض «بدايات: بدايات الحركة الفنية السعودية»، المقام في قاعات المتحف الوطني في حي المربع بالرياض، من ٢٧ يناير حتى ١١ أبريل ٢٠٢٦، حدث فني مهم، ومحاولة لإعادة تلك اللحظة إلى الواجهة. ليس بوصفها ذكرى أو احتفاءً تاريخيًا بالفن فقط، إنما باعتبارها مادة قابلة للتأمل من جديد. فالأعمال التي جُمعت داخل صالة العرض – أكثر من مئتين وخمسين عملاً لعدد كبير من الفنانين الذين ينتمون إلى الجيل الأول – لا تعرض كنماذج متفرقة من الإنتاج الفني السعودي المبكر، لكن باعتبارها خيوطًا متجاورة في نسيج واحد تشكَّل ببطء جمالي منذ ستينيات القرن الماضي.
إعادة ترتيب الذاكرة البصرية للفن السعودي
المعرض في ظاهره، يقدم تاريخًا. غير أن ما يفعله في الحقيقة أقرب إلى إعادة ترتيب الذاكرة البصرية للفن في المملكة العربية السعودية. فبدل أن تبقى تلك التجارب موزعة على هيئة صور في كتب تاريخ الفن، أو المعارض الفردية، أو الأرشيفات الشخصية، أو مستودعات المقتنين، يجمعها المعرض في فضاء واحد يسمح لها بأن تُرى كمشهد مكتمل ومشدود إلى بعضه. فجأة يتسرب إلى الزائر رهبة تبادل إشارات الأعمال فيما بينها، كأن بينها حوارًا صامتًا ظل متفرقًا لعقود قبل أن يجتمع مرة أخرى، كتلة وجرعة فنية مكثفة، وقابلة للتحليل وتداول الرؤى الجديدة حول مرحلة البدايات. حيث تبرز الفروق الفنية والتقنية بين فنان وآخر.
عند التأمل في المرحلة، وفي تلك الأعمال التي مثلتها، يتضح أن الفن التشكيلي في السعودية لم يولد داخل منظومة مكتملة. فلم تكن هناك سوق فنية، ولا شبكة صالات عرض، ولا تقاليد نقدية تتابع التجارب الجديدة. كانت الممارسة الفنية أقرب إلى مغامرة شخصية يخوضها الفنانون بدافع داخلي أكثر من كونها جزءًا من حركة ثقافية واسعة ولها ملامح واضحة. بعضهم كان معلمًا للرسم في التعليم العام، وبعضهم عاد من دراسة فنية في الخارج محملًا بأسئلة أكثر مما يحمل من يقين، وبعضهم بدأ ببساطة من الرغبة في الرسم كفعل ضاغط ولا إرادي، ربما كنوع من التشافي بالفن.
تلك الخلفية تمنح الأعمال المعروضة حساسية خاصة. فالمتلقي لا يواجه لوحات أنتجتها بيئة فنية مستقرة، هي آثار لمحاولة تأسيس شيء لم يكن موجودًا من قبل. هناك إحساس بأن كل لوحة تنتمي إلى لحظة كان الفن فيها يختبر إمكانية وجوده، حين كان الفنانون يجربون أدواتهم وتقنياتهم.

من معرض «بدايات»: بدايات الحركة الفنية السعودية
تجارب فردية صنعت ملامح البدايات
هذا الإحساس يظهر بوضوح عند النظر إلى أعمال محمد السليم، الذي خصص المعرض لأعماله زاوية خاصة. فاللون عنده يمتد في المساحة بطريقة تجعل اللوحة أقرب إلى أفق مفتوح. الصحراء التي تحيط بالرياض لا تظهر بوصفها منظرًا طبيعيًا يُنقل إلى القماش، لكن كإحساس بالامتداد والفراغ. تلك المساحات اللونية كانت تسعى إلى تحويل الجغرافيا نفسها إلى لغة تشكيلية.
كما يُبرز المعرض تجربة عبدالحليم رضوي بوصفها إحدى العلامات المبكرة التي مهدت لظهور الحس الحداثي في الفن التشكيلي السعودي. فقد عاد رضوي من دراسته الفنية في إيطاليا في وقت كانت فيه الممارسة التشكيلية في المملكة لا تزال في طور التشكل، حاملاً معه أثر التجارب الأوروبية الحديثة، لكنه لم يكتفِ باستعادتها بصورتها الأصلية. فأعماله تجاور البنية التجريدية، مع إشارات لونية تستدعي البيئة المحلية، وكأن اللوحة تحاول أن تصنع توازنًا بين حس عالمي تشكّل في مدارس الفن الأوروبية، وبين ذاكرة بصرية تنتمي إلى المكان. هذه التجربة المبكرة كانت إعلانًا ضمنيًا عن إمكانية أن يكون للفن التشكيلي حضور حديث داخل الثقافة المحلية، وليس مجرد رغبة ذاتية.

من معرض «بدايات»: بدايات الحركة الفنية السعودية
في الجهة الأخرى من المعرض تقف تجربة صفية بن زقر بنبرة مختلفة. البيوت الحجازية، والأسواق، والوجوه، والملابس التقليدية؛ كلها عناصر مألوفة في الذاكرة الاجتماعية، لكنها تدخل اللوحة عبر تنظيم بصري يجعلها تظهر كرغبة في إعادة الصياغة من جديد، وبشروط إبداعية مختارة بعناية، وحساسية فنية ذاتية. هنا يبدو العمل محاولة لإعادة بناء صورته داخل لغة فنية حديثة، وليس كتوثيق تاريخي بسيط.
أما منيرة موصلي فتقود التجربة في اتجاه آخر أكثر ذاتية. اللون لديها يتحرك بحرية أكبر، والتكوينات تميل إلى التجريب، وكأن اللوحة تحاول أن تتحرر من الدور التمثيلي المباشر. هنا يظهر الفن باعتباره تجربة داخلية للفنان، لا مجرد انعكاس للبيئة أو المجتمع المحلي فقط.
لا تقف الصورة عند هذه التجارب وحدها، فالمعرض يقدّم في مساراته المختلفة مشاركات متعددة لأعمال ذلك الجيل، بما يسمح بتكوين نظرة بانورامية للمرحلة التأسيسية بكامل تنوعها. فإلى جانب الأسماء البارزة التي تحظى بحضور واضح، تتجاور أعمال لفنانين آخرين أسهموا كلٌ بطريقته في صياغة ملامح المشهد التشكيلي المبكر، فتظهر أمام الزائر شبكة واسعة من المحاولات والأساليب التي تشكّلت في الزمن نفسه، وإن اختلفت في اتجاهاتها التقنية والجمالية. هذا التعدد في الحضور يمنح المعرض بعدًا توثيقيًا مهمًا، إذ يقدّم البدايات بوصفها حراكًا فنيًا واسعًا تشكّل عبر تفاعل أصوات وتجارب متعددة، اجتمعت في النهاية لتكوّن الصورة الأولى للحركة التشكيلية في المملكة.
ومع ذلك، فإن أي محاولة لاستعادة لحظة تأسيسية بهذا الاتساع لا يمكن أن تكون مكتملة تمامًا. فالمشهد الذي تشكّل عبر عقود من التجارب الفردية والتقاطعات الجمالية أوسع من أن يُحاط به في معرض واحد، مهما بلغ حجم الأعمال المعروضة فيه. أثناء التجول بين القاعات قد يلاحظ الزائر غيابًا لبعض الأسماء التي كان لها أثر واضح في تلك المرحلة، ومن بينها تجربة الفنان محمد سيام التي يصعب المرور عليها مرورًا عابرًا في أي قراءة جادة للبدايات. فسيام، بما عُرف عنه من التزام فني واضح، وبما طوّره من تقنيات خاصة في معالجة اللون والخط، كان واحدًا من الأصوات التي أسهمت في ترسيخ حس بصري مميز داخل الحركة التشكيلية المبكرة. حضور بعض أعماله في المعرض يمنح لمحة عن هذه التجربة، لكنه يترك في الوقت نفسه إحساسًا بأن مسيرته تستحق مساحة أوسع تسمح بقراءة أكثر اكتمالًا لخطه الفني وبصمته الخاصة.

زوار في معرض «بدايات»: بدايات الحركة الفنية السعودية
غير أن مثل هذا الغياب الجزئي لا يبدو نقصًا بقدر ما يذكّر بطبيعة المشروع نفسه. فمرحلة البدايات لا يمكن أن تُختزل في مجموعة أعمال مهما اتسعت، ولا أن تُحصر في قائمة نهائية من الأسماء. إن ما يفتحه المعرض هنا هو أقرب إلى باب في ذاكرة الفن السعودي، باب يسمح بإعادة النظر في تلك المرحلة من زوايا مختلفة. وربما يكون من أكثر ما توحي به هذه التجربة أنها قابلة للتجدد؛ إذ يمكن لمعرض كهذا أن يتحول مع الوقت إلى تقليد ثقافي متكرر، تعود فيه كل نسخة لتضيف فنانين وتجارب أخرى لم تُعرض من قبل، فتتسع الصورة تدريجيًا، ويصبح تاريخ الفن التشكيلي في المملكة أكثر حضورًا وتفصيلاً أمام الأجيال الجديدة.
البدايات كمشهد فني متكامل
ما يكشفه المعرض للزائر بشكل تدريجي هو أن البدايات لم تكن متجانسة، فلم يكن هناك اتجاه واحد يقود الفنانين، ولا برنامج جمالي مُوحد. كانت هناك مسارات متعددة تتحرك في الوقت نفسه، تجريد يحاول الإمساك بعلاقة اللون بالمكان، أعمال تستعيد الذاكرة الاجتماعية والشعبية، تجارب في الحرف العربي، وأخرى تبحث في الخامة والملمس. تلك التعددية منتحت المرحلة طابعها المفتوح؛ فالفن في مرحلة البدايات كما قدمه المعرض ظهر باعتباره سلسلة من المحاولات التي كانت تختبر حدودها باستمرار، دون التقيد بمسار ممنهج، أو خط ملتزم بمدرسة فنية معينة، أو مسار فني محكوم بصيورة التطور الفني، كما هو الحال في مناطق جغرافية أخرى، سواء في العالم ككل، أو في المناطق المجاورة من العالم العربي.

زائر يتأمل في أحد أعمال المعرض
لكن وجود هذه الأعمال لأول مرة بشكل متجاور، وفي فضاء واحد، خلق تجربة إدراكية مختلفة. فحين تُرى أعمال البدايات وهي متجاورة، تبدأ العلاقات بينها في الظهور. لوحة تجريدية تبدو كأنها تستكمل فكرة بدأت في عمل آخر، وتجربة توثيقية تبدو كأنها تقف في حوار غير معلن مع عمل أكثر حداثة. المشهد الذي كان يبدو متفرقًا عبر العقود نراه يتشكل بشكل مختلف أمام العين، وكأن المجاورة هنا شكلت رؤية جديدة لتاريخ الفن التشكيلي في السعودية، رؤية جديرة بالتأمل والمراجعة، فما كان يُعتقد بأنه مسار عبثي ومتفرق ولا يجمعه جامع، نراه بسبب التجاور يأخذ شكل الكتلة الفنية المنسجمة، التي تطورت لأسباب لها علاقة بالفعل بالصيرورة الفنية، وبعملية التطور الطبيعية.
ومن اللافت أن المعرض لا يكتفي بعرض اللوحات، بل يضم موادً أرشيفية وصورًا ووثائق تعود إلى تلك السنوات الأولى في تاريخ الحركة الفنية السعودية. هذه المواد تعمل كخلفية معلوماتية مهمة، وتمنح الأعمال بعدًا تاريخيًا واضحًا. فالفن لا يظهر هنا معزولًا عن سياقه، فهو مرتبط بشكل عضوي بالمؤسسات التعليمية التي بدأت تظهر في تلك الفترة، وبالمعارض الأولى التي أقيمت، وبالأسماء التي حاولت أن تؤسس تقاليد جديدة للفن في المجتمع، تقاليد قد تكون لحظة تلقيها تأخرت بعض الشيء، لكننا استعدناها بكامل زخمها المعرفي والفني من خلال معرض بدايات.
هذا الجانب البحثي في المعرض يذكّر بأن تاريخ الفن التشكيلي في السعودية هو عبارة عن شبكة من العلاقات الثقافية والتعليمية والاجتماعية. ومن خلال هذه الشبكة يمكن أن نفهم كيف بدأت الممارسات الفنية الحديثة تتشكل في المملكة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، حين عاد عدد من الفنانين من دراساتهم في الخارج حاملين تأثيرات المدارس الأوروبية والعربية الحديثة، وبدأوا بتجريبها داخل بيئة محلية لم تكن معتادة بعد على هذا النوع من التعبير.
للمعرض أيضًا أهمية من نوع آخر، تكمن في توقيته. فالمشهد الفني السعودي يعيش اليوم مرحلة اتساع غير مسبوقة، فالمعارض الدولية، والمؤسسات الثقافية الجديدة، والحضور المتزايد للفنانين السعوديين في المزادات والبيناليات العالمية، كلها تشير إلى أن الفن في المملكة أصبح جزءًا محوريًا داخل منظومة ثقافية عربية وعالمية.

من أعمال المعرض
في مثل هذه اللحظة يصبح الرجوع إلى البدايات ضرورة معرفية وليس مجرد تلقي فني. لا بوصف مرحلة البدايات مرحلة بدائية تجاوزها الزمن، بل بوصفها المصدر الذي يمكن أن يفسر كثيرًا مما يحدث اليوم. فالمشهد الفني الذي يبدو اليوم متماسكًا، تشكل عبر سلسلة طويلة من المحاولات الفردية التي جرت ومُورست في ظروف مختلفة تمامًا.
الماضي كجزء من المشهد الحاضر
معرض «بدايات» يعيد تلك المحاولات إلى الضوء، ويجعلها قابلة للمشاهدة من جديد. الأعمال التي أُنتجت في زمن لم يكن فيه يقين بوجود جمهور أو سوق أو اعتراف مؤسسي، تقف اليوم في فضاء عرض حديث، كأنها تعبر المسافة بين زمنين مختلفين. وبين هذين الزمنين تظهر القصة الكاملة: كيف يمكن لتجارب فردية صغيرة أن تتحول مع الوقت إلى مشهد فني كامل؟
تكمن قيمة المعرض الحقيقية في هذه القدرة على جعل التاريخ مرئيًا دون أن يحوله إلى سردية مغلقة. فقصة البدايات التي يقدمها المعرض تُعد فصلًا مفتوحًا وليس نهاية قصة البداية. والمشهد الفني الذي نشهده اليوم لا يمكن فهمه دون العودة إلى تلك اللحظة الأولى التي بدأ فيها الفن يبحث عن لغته الخاصة، في مجتمع حيوي وضاج بالتغيرات المتسارعة، المجتمع الذي كان بدوره يكتشف أشكالًا جديدة للتعبير عن ذاته.

معرض «بدايات»: بدايات الحركة الفنية السعودية
لا يتوقف معرض «بدايات» عند حدود عرض الأعمال الفنية وحدها، إذ ترافقه سلسلة من الفعاليات الثقافية التي توسّع تجربة الزائر وتحوّل المعرض من مجرد مساحة مشاهدة إلى مساحة حوار. فإلى جانب الأعمال المعروضة لـ ٧٣ فنانًا يمثلون مرحلة البدايات، أُعد برنامج عام يضم جلسات حوارية ولقاءات معرفية متخصصة تسلط الضوء على تلك المرحلة التأسيسية، وتستعيد شهادات وتجارب الفنانين الذين شاركوا في تشكيلها.
تمنح هذه الفعاليات المعرض بعدًا إضافيًا؛ فهي لا تكتفي بتقديم الأعمال بوصفها منجزًا بصريًا، لكنها تفتح المجال لتداول الأفكار والرؤى حولها، وتعيد طرح الأسئلة المرتبطة بنشأة الحركة التشكيلية في السعودية وتطورها. هكذا يتحول معرض «بدايات» من مجرد استعادة تاريخية إلى فضاء معرفي وثقافي يستدعي الذاكرة الفنية، ويتيح إعادة قراءتها في ضوء التجربة الفنية المعاصرة، بحيث تظل البدايات حاضرة في النقاش الثقافي العام باعتبارها نقطة انطلاق مستمرة، لا مجرد فصلٍ مضى من تاريخ الفن التشكيلي في السعودية.
نُشر بالتعاون مع مجلة «المجلة»، ١٠ مارس ٢٠٢٦

