سارة الراجحي
في خمسينيات القرن الماضي، دخلت إستوديو «شهرزاد» في صيدا امرأةٌ من عائلة معروفة في الحيّ،انتهزتْ غياب زوجها والتقطتْ لنفسها صورتين: في الأُولى تقف بعباءة سوداء وحليّ وجرَّة على الكتف، في لقطة تستحضر الشخصية الريفية كما اعتادت السينما تقديمها؛ وفي الثانية سيدةً عصرية، حاسرةَ الرأس، بقميص أبيض وتنورة داكنة. علم الزوج فاقتحم المحلَّ مُهدِّدًا، وطالب المصوِّرَ «هاشم المدني» بإتلاف الفيلم. رفض المدني تسليمه، ثم اهتدى الرجلان إلى تسوية -يرويها هاشم المدني- تُفضي إلى خدش نيغاتيف الزوجة بدبوس. بعد سنوات ماتت السيدة منتحرةً، فعاد الأرمل إلى الإستوديو يطلب طبع الصور المخدوشة ذاتها؛ أراد أن يراها ولو تحت الجرح، وبكى حين رأى الصور للمرة الأولى.[1]
وقبل ذلك بنحو سبعين عامًا، وفي مدينةٍ أخرى، كانت هناك أداة حادة أخرى تشتغل على صور أهل مكة: مِكشطٌ مع قوالب إستنسل ورقية، في مطبعةٍ بمدينة ليدن الهولندية. فقد أرسل الطبيب المكي عبد الغفار بن عبد الرحمن البغدادي أكثرَ من مئتين وخمسين صورة التقطها لمدينته وأهلها وحجَّاجها إلى المستشرق كريستيان سنوك هورخرونيه، فنشر اﻷخير عددًا منها في مجلديه عن مكة بعد أن أزال، أثناء الطبع، خلفياتٍ مزخرفة وإكسسوارات، ومحا توقيع المصوِّر وشروحَه المكتوبة بخط يده.[2]
دبوسٌ في صيدا جرح وجهَ امرأة في صورتها، ومِكشطٌ في ليدن محا اسمَ رجل عن صوره؛ على هذين الخدشين تقوم المقارنةُ التي تنتظم بها هذه المقالة، وسيعود إليهما كل قسم من أقسامها ليضيف طبقةً إلى قراءتهما. والسؤال الذي يفتحانه مزدوج بطبيعته: ماذا تكشف الصورة حين نقرأ ما جرى أمام العدسة وما جرى للصورة بعد التقاطها، في وقتٍ واحد؟ وماذا يشهد الخدشُ نفسه، الجرحُ في الوجه، والكشطُ فوق الاسم، غيرَ ما تشهد به الصورة؟
تعالج هذه المقالة موضوع الصورة الشعبية، ذلك القطاع الأعظم من تاريخ الفوتوغرافيا الذي صنعته الإستوديوهات التجارية، وما يحدث لبنية شهادتها حين تتدخل فيها يدُ الرقيب، ويدُ المحرِّر، ويدُ من ينسب الصورةَ إلى غير صاحبها، أو يعيد نسبتها إليه.
الإستوديو الشعبي مسرحًا للحياة الاجتماعية
نقصد بالصورة الشعبية -وهي الترجمة التي نؤثرها لمصطلح vernacular photography- فئةً يحدِّدها سياقُ الإنتاج والتداول والاستعمال أكثر مما تحدِّدها قيمةُ الصورة أو هويةُ صانعها، وتشمل بورتريهات الإستوديوهات التجارية، وصور الهوية، وألبومات العائلات، وصور الأعراس والخطوبة والتخرج، وصور الحجَّاج والمسافرين، ولقطات الهواة. وهي فئة متحركة الحدود، تتقاطع أطرافها مع الصورة التجارية والإدارية وصورة الهواية، ويجمعها نمطُ حياةٍ واحد، فهي تُنتَج لوظيفةٍ، ويصنعها مصوِّرون محترفون لم يمنحهم تاريخُ الفن مكانةَ المؤلف، وجمهورُها الأول أهلُها، ومصيرُها المعتاد الدُّرج والعُلبة وما بينهما من نسيان. وقد ظلت عقودًا خارج تاريخ الفوتوغرافيا المكتوب رغم أنها من أوسعُ أقاليمه مساحة،[3] قبل أن تلتفت إليها في العقود الأخيرة دراساتٌ جادة تحاول إعادة كتابة تاريخ البورتريه.[4]
ويلزم منذ البداية تحرير التمييز الذي يقوم عليه عنوان المقالة. يظنُّ كثيرون أن الشعبيَّ عفويٌّ تلقائي، وأن الإخراجَ صنعةُ المحترفين، غير أن الحقيقة كثيرًا ما تأتي على خلاف ذلك؛ فبورتريه الإستوديو الشعبي من أكثر الصور إخراجًا في تاريخ الوسيط الفوتوغرافي؛ إذ نجد خلفيةً مرسومةً تستعير قصرًا أو حديقةً أو أفقًا أوروبيًّا، وإكسسواراتٍ مُعدَّة سلفًا، ووضعيةَ جسدٍ يُمليها المصوِّر بدقَّة، وثيابًا لا تنتمي دائمًا إلى اليوم المعيش، فقد تكون أقرب إلى صورة اليوم المتخيل أو المنشود. وكثيرًا ما كانت السينما مرجعًا رئيسًا لهذا الإخراج؛ فالزبائن كانوا يقلِّدون وقفاتِ نجوم الشاشة وجلساتِهم ونظراتِهم، وأحيانًا هيئاتِهم بأكملها.
يغدو الإستوديو، بهذا المعنى، مسرحًا صغيرًا واسعَ الطموح، تُصاغ فيه الصورة بعنايةٍ لا تقل عن عناية المسرح بديكوره وأدواره. لكنها، ما إن تغادر الإستوديو، حتى تنسلخ من هذا الطابع المصنوع لتدخل الحياة اليومية، فتُعلَّق على الجدران، وتُحفَظ في الألبومات، وتغدو جزءًا من أثاث المنازل. وهذه الازدواجية لا تنطوي على تناقض يستدعي التسوية؛ فهي في حد ذاتها ما يمنح هذه الصور قيمتها التاريخية والأنثروبولوجية، ويجعلها وثائق من طرازٍ خاص.



من سلسلة أكرم زعتري «مواضيع الدراسة / أرشيف إستوديو شهرزاد / هاشم المدني: ممارسات الإستوديو» (2007)
الحقوق: © Akram Zaatari, courtesy Hashem el Madani and Arab Image Foundation, Beirut
ويستحق وسيط السينما هنا وقفة، فالوضعيات لم تولد في الإستوديو؛ إذ تدلُّ بعض الصور والروايات على أنها وفدت إليه من الشاشات، من أفلامٍ زوَّدت الناس بمعجمٍ جاهز للأناقة والحب والحداثة، وأوثقُ شواهد ذلك عند المدني سلسلةُ القبلات التمثيلية. والزبون الذي يطلب وقفةً كهذه لا يقلِّد صورةً؛ هو يستعير خيالًا سينمائيًّا ويجرِّبه على جسده مقابل مبلغ زهيد. ونخلُص في هذا القسم إلى نتيجةٍ تُمثِّل قيمةً أرشيفيةً قلَّما تُذكَر، ألا وهي أن أرشيف الإستوديو هو الضفَّة الأخرى لأرشيف السينما؛ فبينما تحفظ أرشيفاتُ الأفلام ما عُرض على الشاشات، يحفظ الإستوديو ما فعلته الشاشات بالأجساد، وهو تلقٍّ جسديٌّ وتمثيليٌّ، لا مجرد مشاهدةٍ ونقد. فصورُ صيدا، دون قصدٍ منها، سِجلُّ تلقٍّ لجمهور السينما في منتصف القرن.
ولا تعني «الوضعية السينمائية» بالضرورة أن الزبون دخل الإستوديو حاملًا صورةَ ممثِّل وطلب نسخها حرفيًّا. قد يقع ذلك، كما تدلُّ بعض روايات هاشم المدني وصوره، لكن أثر السينما والتلفزيون أوسع من الاقتباس المباشر؛ فالشاشة لا تمنح الجمهور قصصًا ومشاهد فحسب، وإنما تزوِّده أيضًا بمعجم جسدي يتمثَّل في إمالة الرأس، والنظر إلى خارج الكادر، وإسناد الكتف إلى الجدار، ووضع اليد في الجيب، والإمساك بالهاتف أو الورود أو حتى الأسلحة، والمسافة التي تفصل جسدين أو تقرِّبهما. وبالتكرار تغادر هذه الإيماءات الفيلم الذي ظهرت فيه، وتتحوَّل إلى صيغ عامة للبطولة والأناقة والرومانسية والوجاهة.
وهذا الأمر يمكن ملاحظته كظاهرة ممتدة في مختلف الدول والثقافات، ويساعد عمل الباحث «كريستوفر بيني» على فهم هذا التحول؛ ففي دراسته للإستوديوهات الشعبية في وسط الهند لا يقدِّم البورتريه مرآةً لهوية مكتملة قبل التصوير؛ فالإستوديو «غرفة أحلام» يدخلها الزبون ليختبر هيئة ممكنة لنفسه. وتشارك الخلفية والملابس والإكسسوارات والضوء وتعليمات المصوِّر في صنع شخصية معدَّة خصيصًا للكاميرا. وبعض ما سمَّاه المصورون والزبائن هناك الوقفاتِ الفيلمية لا ينسخ نجمًا محدَّدًا بقدر ما يستعير سلطة النجومية، إذ يتقدَّم الجسد إلى الصورة كما لو كان جديرًا بأن يُرى، لا كما يظهر في حياته اليومية. وهنا تكون السينما مخزنًا للهيئات الممكنة، ويكون الإستوديو موضع نقلها من جسد الممثل إلى جسد المشاهد.[5]
ومع ذلك يلزم التفريق بين ثلاثة مستويات: اقتباس مباشر لمشهد أو نجم معروف، واقتباس نمطي يستعير هيئة «البطل» أو «العاشق» أو «السيدة العصرية» من غير أصل واحد محدد، وقواعد مشتركة قد تأتي من السينما والتلفزيون بقدر ما تأتي من المسرح والمجلات والإعلانات وصور الأعراس والبورتريه الرسمي وتعليمات المصور المتوارثة. ولذلك لا تُنسَب الوضعية إلى فيلم لمجرد أنها مصنوعة أو درامية. تقوى الصلة السينمائية حين تجتمع القرائن: شهادة المصوِّر أو صاحب الصورة، وتشابه واضح مع صورة نجم أو مشهد متداول، وتزامن تاريخي بين الصورة والفيلم، وتكرار الوقفة بين زبائن الإستوديو بعد انتشار نموذج بصري بعينه.
ويستحق هذا السؤال أن يُطرح أيضًا على ما بقي من أرشيف الإستوديوهات السعودية القديمة. فقد دخلت الصورة المتحركة المجال المرئيّ المحليّ منذ الخمسينيات عبر نشاط أرامكو والتجارب والعروض السينمائية، ثم اتَّسع حضور الشاشة عبر التلفزيون؛ فبدأ بثٌّ محدود في الظهران في الخمسينيات، وانطلق البثُّ السعودي الرسمي من الرياض وجدّة في الستينيات. وهذه قرائن لا تكفي للحكم بأن الإستوديو السعودي نسخ أوضاع الشاشة أو تأثَّر بها بشكل واضح، لكنها تجعل الفرضية قابلة للاختبار: هل أخذ الشاب من صورة البطل طريقة الوقوف والنظر وإظهار الساعة أو الاتِّكاء على السيارة؟ وهل استعارت المرأة - في الصور التي اقتصر تداولها غالبًا على المجال العائلي- هيئةَ النجمة أو السيدة العصرية الشائعة في السينما والمجلات؟ وكيف عدَّل المصور أو المصورة هذه النماذج لتلائم الزّي المحليّ والأثاث وحدود القرب بين الأجساد؟ ثم كيف غيَّرت تقنيات التلوين، والمونتاج الفوتوغرافي، ولاحقًا المعالجة الرقمية، شكل الأداء الممكن داخل الإستوديو؟
تحتاج الإجابة إلى جمع سلاسل من بورتريهات إستوديوهات في الرياض وجدّة ومكة والمدينة والمنطقة الشرقية وغيرها من المناطق، وربطها بتاريخ كل إستوديو ودفاتر طلباته وشهادات مصوريه وزبائنه، ثم مقارنتها بصور النجوم والأفلام والمجلات المتداولة في الزمن نفسه. وعندئذٍ قد يظهر أن أرشيف الإستوديو السعودي سِجلًّا لوجوه السُّكان، وكذلك للطريقة التي تلقُّوا بها الحداثة المرئية وأعادوا تمثيلها على أجسادهم. وبذلك يلتحق بتلك «الضفة الأخرى» لأرشيف السينما التي تقدَّم ذكرُها.

سانليه سوري (Sanlé Sory، بوركينا فاسو، مواليد 1943)، بورتريه من إستوديو «فولتا فوتو»، بوبو-ديولاسو، ستينيات - سبعينيات القرن العشرين: زبون أمام خلفية مرسومة لطائرة BOAC VC10.
الحقوق: © Sanlé Sory؛ مصدر النسخة الرقمية: مقالة «صور سنوات اليييه في بوبو-ديولاسو» (بيبربلوغ).
وفي هذا الخيال السينمائي المستعار الذي أسلفنا وصفه قدرٌ من المبالغة نتداوله اليوم كمحتوى طريف: طائرةٌ مرسومة يقف خلفها مسافرٌ لم يسافر، وقمرٌ ورقي يجلس عليه عاشقان، وهاتفٌ لا يتصل بشيء. وهذا يستحق شيئًا من التأمل لا الاستحياء؛ فما يثير ابتسامتنا هو انكشاف الصنعة نفسها، وظهور المسافة بين بساطة الأداة واتساع الطموح. هذه المسافة لم تكن حاضرةً في عين من التقط الصورة أو وقف أمامها يومئذ؛ كانت صورًا ممكنة للحلم، وحدًّا تصل إليه الأدوات المتوفرة وهي تحاول مجاراة الخيال. ومن هنا تأتي طرافة هذه الصور ودلالتها في آنٍ واحد؛ فأكثر عناصرها مبالغةً هو غالبًا أكثرها قدرةً على تأريخ لحظته، لأنه يلتصق بأدوات زمنه، وبما كان ذلك الزمن يراه جديدًا ومدهشًا.
أما ضحكنا اليوم عليها، فهو جزءٌ من تاريخ الصورة أيضًا؛ يكشف المسافة بين مخيالهم البصري ومخيالنا، وربما يكشف شيئًا من غفلتنا عن صورنا نحن الآن. فمرشحات الهواتف (الفلاتر)، والخلفيات المولَّدة، ووجوهنا المعالجة رقميًّا، ليست بعيدةً في جوهرها عن ذلك القمر الورقي وتلك الطيارة المرسومة وتلك الوضعيات المصطنعة؛ تغيّرت الأدوات، وبقيت الرغبة نفسها: أن تمنح الصورة الواقع شيئًا مما لا يملكه. وبعد جيلين أو ثلاثة، سيقف جمهورٌ آخر أمام صورنا، وسيضحك على الأرجح الضحكة ذاتها.
ما الذي تشهد به الصورة المُخرَجة؟
للفوتوغرافيا، كما علَّمنا رولان بارت، يقينيةٌ لا تملكها لوحة ولا نص تتجسَّد في مقولة: «هذا-قد-كان»، فالضوء الذي لامس الجسدَ هو نفسه الذي لامس الفيلم.[6] وهي، كما أضاف فالتر بنيامين، تسجِّل أكثر مما رأى صاحبُها، كاشفةً عن ذلك «اللاوعي البصري» الذي يتسرَّب إلى الكادر من غير إذن، كحذاءٍ في الطرف، أو ملصقٍ على جدار، أو طرازِ كرسي. على أن هذين الأساسين لا يعنيان أن الصورة تنطق بشهادةٍ جاهزة تنتظر من يسمعها؛ الأدق أن الصورة تملك قابليةً استدلالية، وأنها تصبح شاهدًا حين تدخل في علاقة بحثية موثقةٍ بالسياق والمنشأ والقرائن. فما يُعدُّ شهادةً يتحدَّد بالسؤال الذي يُطرح عليها، وبمن يملك أن يطرحه.
تقود هذه القراءة إلى محور هذه المقالة، الذي يؤكِّد أن إخراج الصورة الشعبية لا ينتقص من حقيقتها؛ فهو نفسه معطى اجتماعي يمكن قراءته. الوضعيةُ والخلفيةُ والثوبُ والإيماءةُ تكشف ما كان متاحًا للناس أن يتمنوه، وما كان مسموحًا لهم أن يقدّموا به أنفسهم، وأين تقف حدود المسموح. كما تكشف كذلك مساحة التفاوض بين رغبة المُصوَّر وسلطة المصوِّر وأعراف المجتمع، والمسافة بين الحياتين في هذا السياق هي أثمن ما تحمله. البورتريه المصنوع يغدو وفق هذا المنظور صادقًا تمامًا في تعبيره عن الأداء والرغبة والقاعدة الاجتماعية، حتى حين لا يكون تسجيلًا عفويًّا للواقع؛ وبهذا المعنى توصف شهاداته - كما يرد في عنوان هذه المقالة - بالصدق، كونها تكشف حقيقةَ الأداء والرغبة والمسموح. والمصوِّرُ التجاري يُنتج سِجلًّا اجتماعيًّا يتجاوز الغرض الذي تقاضى الأجر من أجله. وسنرى في الحالتين الآتيتين ما الذي يتراكم فوق هاتين الطبقتين.
صيدا: الأداء والرقابة والجرح
وُلد هاشم المدني في صيدا عام 1928 لأبٍ قدِم إلى لبنان من المدينة المنورة. بدأ أواخر الأربعينيات يجوب أسواق المدينة بكاميرته، ثم افتتح عام 1953 إستوديو «شهرزاد» في الطابق الأول من عمارة تجارية. وفي ذروة الرواج كان يلتقط نحو مئة بورتريه في اليوم، وقدَّر هو نفسه أنه صوَّر تسعين في المئة من أهل صيدا، وخلَّف أرشيفًا من صورٍ بمئات الآلاف.[7] في هذا الإستوديو قد تُقرأ اللعبة الاجتماعية على ثلاث مستويات. المستوى الأول، تمثيلُ المكانة، إذ يستعير زبائن من الطبقة العاملة لدقائق ثيابَ الوجاهة وخلفياتِها، ووقفاتِ من يريدون أن يكونوه كما التقطوه من الشاشة. والمستوى الثاني يتجسَّد في تمثيل الرغبة المحظورة، فلمَّا كان تلامسُ رجل وامرأة أمام الكاميرا ممنوعًا اجتماعيًّا على غير المتزوجين، كان الصديقان أو القريبان من الجنس الواحد يؤديان دورَ العروسين، فيصطنعان قُبلةً غير حقيقية لأن الحقيقية لا تجوز، وهي صورٌ تشهد على ما كان محظورًا أن يُرى لا على ما كان الناس عليه، وعلى الطرق الالتفافية التي اخترعها الناس ليصوّروا ممنوعَهم.[8] أمَّا المستوى الثالث، تدخُّل السلطة في مادة الصورة نفسها. وعند هذا المستوى نعود إلى واقعة افتتاحية المقالة.
حفظ المدني فيلمَ السيدة من المصادرة، لكنه لم يحمِ الصورة من عنف الخدش، وفي هذا الالتباس بالذات تكمن قوة الواقعة، وهو التباسٌ لا ينبغي لقراءةٍ لاحقة أن تحسمه. فالدبوس الذي أمسكه المصور نفَّذ إرادةَ الزوج على وجه امرأةٍ في صورتها، وأبقى في الوقت نفسه على النيغاتيف الذي كان الزوج يريد إعدامه. لم يكن المدني يمارس فلسفةً في الحفظ؛ كان حِرفيًا يدير أزمةً بين زبونٍ غاضب وأصلٍ لا يسلَّم. غير أن حصيلة إدارته تلك صارت، بعد عقود، وثيقةً نادرةً باجتماع آثارها على سطح واحد، فالنيغاتيف يحمل على سطحه صورةَ امرأةٍ كما أرادت أن تُرى، وأثرَ رجلٍ لم يحتمل أن تُرى، وأثرَ المصوِّر الذي نفَّذ بالدبوس تسويةً أبقت الأصلَ وجرحت الصورة.


«بورتريه مخدوش للسيدة بقاري» (2012)، طباعة حبرية من نيغاتيف 35 مم مخدوش من أرشيف هاشم المدني.
الحقوق: © Akram Zaatari
ملحوظة: الصورتان هنا هما العملُ الفني المشتق المنشور، وليستا النيغاتيف الخام (زعتري، 2012)، وتورده المقالة لضرورة بحثية، إذ إن الخدش نفسه هو موضوع تحليلها.
في عام 1997 أسَّس أكرم زعتري مع فؤاد الخوري وسامر مهداد «مؤسسة الصورة العربية» في بيروت، وهي مؤسسة تُعنى بجمع الأرشيف الفوتوغرافي وحفظه ودراسته في العالم العربي. وبعد عامين، أي في عام 1999، بدأ العمل على أرشيف إستوديو شهرزاد في مدينة صيدا، حيث تعرَّف إلى أرشيف المصور هاشم المدني، وغدا هذا الأرشيف أحد أهم محاور ممارساته الفنية والبحثية. وينبغي هنا فرزُ أدوارٍ ثلاثة تجمَّعت في رجل واحد، أوَّلها: زعتري الباحثُ الذي درس «ممارسات الإستوديو»، أي الأسعار وأدوار الجسد وأصناف الزبائن وقواعد اللمس، والذي لم يقدِّم المدني على طريقة مصوّر/فنّان مجهول يُكتشف،[9] وثانيها: زعتري الفاعلُ في مشروع حفظٍ آلت مجموعةُ المدني في إطاره إلى عهدة المؤسسة، وثالثها: زعتري الفنانُ الذي أعاد استخدام المادة الأرشيفية في أعمالٍ تحمل اسمه، ومنها طبعةٌ مكبَّرة من نيغاتيف السيدة المخدوش بعنوان: «نيغاتيفات متضررة» (2012).[10] وهذا الدور الأخير لا يُعدّ حفظًا، فهو إعادةُ استخدامٍ فنيَّةٌ مبنيَّةٌ على مادة أرشيفية. وقد وصف زعتري هذا التحول من خلال مؤلفين للصورة، المصور الأصلي، ثم المؤلف الذي يعيد إدراج الصورة في عمل وسياق جديدين. أمَّا بقية الأيدي التي تتعاقب على الصورة -يد المقتني والمرتِّب والواصف والمتيح- فلكلٍّ منها اسمها المهني وأثرها الواجب توثيقه [11]،[12] .

أكرم زعتري، «مواضيع الدراسة / إستوديو شهرزاد — فضاء الاستقبال» (Objects of Study / Studio Shehrazade – Reception Space)، 2006، طباعة كروموجينية من ثلاثة أجزاء.
الحقوق: © Akram Zaatari, courtesy the artist, Sfeir-Semler Gallery and Thomas Dane Gallery

لقطة تنسيقية من معرض «أكرم زعتري: الطية - المكان والزمان والصورة» (The Fold: Space, Time and the Image)، مركز الفنون المعاصرة، سينسيناتي، 5 أكتوبر 2018 - 10 فبراير 2019 (قيّمه ستيفن ماتيتشيو)، وتظهر فيها طبعات مكبّرة من نيغاتيفات متضررة من أرشيف المدني.
حقوق اللقطة التنسيقية: © Contemporary Arts Center, Cincinnati, OH, 2018; Photo: Tony Walsh؛ حقوق الأعمال المعروضة: © Akram Zaatari.
مكة - ليدن: من البورتريه إلى النمط الإثنوغرافي
أمَّا الحالة الثانية فتبدأ في مكة في ثمانينيات القرن التاسع عشر. كان عبد الغفار بن عبد الرحمن البغدادي طبيبًا من أهل مكة يجمع إلى الطب مهنًا حرفية عدة،[13] ويُعترف به اليوم كأول مصور فوتوغرافي مكي، وتُنسب إليه صورٌ مبكرة لمكة وأهلها، وأُولى الصور المعروفة للحجَّاج في الموسم.[14] كان يمارس التصوير حين التقى بالمستشرق الهولندي سنوك هورخرونيه الذي أقام في مكة بضعة أشهر عام 1885 متسمِّيًا باسم «عبد الغفار» هو الآخر، ثم أفاد من عُدَّته وموادِّه بعد رحيله. وبين عامي 1886 و1889 أرسل الطبيبُ إلى ليدن أكثر من مئتين وخمسين صورة في خمس عشرة شحنة؛ وكان هورخرونيه يقنِّن عليه إرسال الألواح الزجاجية ليتحكم فيما يُصوَّر ومن يُصوَّر، فقد كتب لأحد معارفه أن هذا التقنين «أسلوبُ إكراه ممتاز».[15] وهذا يعني أن الصور، حتى قبل أن تغادر مكة، كانت تُنتَج منذ البداية داخل علاقةٍ غير متكافئة تتحكم في المواد والموضوعات وتُحصي الألواح!

صورة من مجموعة صور مكة وأهلها المنسوبة إلى السيد عبد الغفار، طبيب مكة (ثمانينات القرن التاسع عشر؛ الصورة في الملكية العامة).
مصدر النسخة الرقمية: صور معروضات دار سوذبيز، مزاد «السفر والأطالس والخرائط والتاريخ الطبيعي» (لندن، مايو 2021).

لوحة من مطبوعات كريستيان سنوك هورخرونيه عن مكة، «Bilder-Atlas zu Mekka» / «Bilder aus Mekka» (1888–1889)، والتصوير منسوب إلى السيد عبد الغفار وفق تحقيق النسبة (كلود سوي 2008؛ ودراسة مونك، مكتبة قطر الرقمية).
الصورة في الملكية العامة؛ مصدر النسخة الرقمية: تغطية صحيفة «ديلي ميل» (17 مايو 2019) لمزاد سوذبيز في لندن (14 مايو 2019) لنسخ هورخرونيه الشخصية.

لوحة أخرى من المصدر نفسه: مطبوعات سنوك هورخرونيه عن مكة (1888–1889)، والتصوير منسوب إلى السيد عبد الغفار (المراجع أعلاه). الصورة في الملكية العامة.
مصدر النسخة الرقمية: تغطية «ديلي ميل» (17 مايو 2019) لمزاد سوذبيز المذكور.
ثم جاء التحرير الذي ألمحت إليه الافتتاحية. فحين أعدَّ هورخرونيه مجلديه عن مكة (1888 و1889) للطبع، حجب بالإستنسل الورقي ما عدَّه زوائد، كالخلفيات المزخرفة والإكسسوارات في بورتريهات الإستوديو، ومرَّر المِكشط على توقيع عبد الغفار وشروحه المكتوبة بخط يده،[16] وقدَّمه في المتن بعبارةٍ تختصر سرديةَ الوصاية حين وصفه بأنه «الطبيب المكي الذي تولَّيتُ تعليمه»، وهي، للمفارقة، الصيغة التي رددتها كتاباتٌ كثيرة لاحقة عن الرجل من غير فحص. وإلى اليوم يُحفظ ما بقي من أعماله في مكتبة جامعة ليدن، مُدرَجًا داخل أرشيفٍ يحمل اسم الهولندي.[17]
وتكمن أهمية هذه الواقعة في أنها تروي تحولًا في طبيعة الصورة ووظيفتها المعرفية. فقد كان بورتريه عبد الغفار ينتمي إلى تقاليد بورتريه الاستوديو العثماني الآخذة في التشكل آنذاك، بخلفياته المرسومة وستائره وأغراضه المعدّة. وكانت الخلفية المصنوعة وثيقةً للرغبة الاجتماعية ولذائقة العصر، لا زينةً يمكن حذفها من غير خسارة، وجزءًا مما اختاره صاحب الصورة ليظهر به أمام الكاميرا. وكانت أيضًا شهادةَ تزامن، تضع الرجل المكّي في الحاضر البصري نفسه الذي يقف فيه ناظرُه الأوروبي.
وحين حجب سنوك هورخرونيه هذه الخلفيات بالإستنسل، تغيّرت وظيفة الصورة: خرجت من بورتريه شخص بعينه، أراد أن يُرى على هيئة بعينها، واقتربت من الصورة الإثنوغرافية التي تقدّم صاحبها «نمطًا» من أهل مكة. ومع اختفاء الخلفية والأغراض، تراجعت العلامات التي تصل الشخص بذائقته وزمنه وموقعه الاجتماعي، وأصبح أيسر تقديمه للمشاهد الأوروبي في صورة تبدو محايدة ومنزوعةً من ذلك الحاضر المشترك؛ فيما يمكن قراءته من خلال مفهوم يوهانس فابيان عن «إنكار المعاصَرة»[18]. ومع الكشط الذي أزال التوقيع، غاب شاهدٌ آخر: اسم المصوّر الذي وقف وراء الكاميرا وعمل من داخل المجتمع المكّي نفسه، وإن ظل ثمة متسع للنقاش حول هذه العين ومدى اشتغالها، بدورها، داخل الاقتصاد الإثنوغرافي وبطلبه.
ولم تكن العملية مطّردة أصلًا، فبعض الصور احتفظت بخلفياتها، وبعض الألواح سمَّت أعيانًا بأسمائهم، لأن التنميط لم يكن عمل الإستنسل وحده، شارك فيه أيضًا التعليق وترتيب الألواح والبنية البصرية للأطلس بأكمله. وذلك هو مربط الفرس، فما وقع أمام العدسة ظلَّ على حاله، والذي انقلب هو -على نحو ما ذهب إليه ألان سيكولا في درسه لأرشيفات الضبط والقياس- النظامُ الذي أُجيز للصورة أن تتكلم داخله، وهو النظامُ الذي يصنع حجِّية الصورة ولا يكتفي بإيوائها. حيث يذهب سيكولا إلى أن حجّية الصورة الفوتوغرافية أثرٌ للجهاز الأرشيفي التصنيفي لا خاصّية كامنة فيها، وأن القطعة المركزية في هذا النظام هي خزانة الملفات وليست الكاميرا.[19]. ولهذا كانت قراءة هذه الأرشيفات اليوم قراءةً تسأل الصورَ عمَّا لم يُرد ناشروها أن تقوله، أو ما أفلت من مقاصدهم، وما تكشفه تلك الصور من دلالات لم تُنتج أصلًا لتقولها، في قراءة تقترب من مفهوم «القراءة ضدّ التيار» في نقد الأرشيف، التي تستنطقه خارج روايته المقصودة.
ومع هذا كله، لم يكن المحو تامًّا، فما زالت بقايا الخط الممحو تُرى في المطبوعات عند الفحص الدقيق، ففي عام 1981 فكَّ الباحثان ألن وغافن (F. H. S. Allen وC. Gavin) خطَّ التوقيعات المكشوطة فقرآ تحتها: «فوتوغرافية السيد عبد الغفار، طبيب مكة».[20] وكان إثباتُ الاسم على الصور من جديد في الدراسات والفهارس التي تتولى ذلك منذئذٍ أكثرَ من تصحيح حاشية؛ إنه بمثابة ردّ طبقةٍ كاملة من الشهادة إلى مكانها. فسياسة النسبة ليست تفصيلةَ فهرسة، وإنما هي الجواب العملي عن سؤال: شهادةُ من هذه؟

تفصيل مكبَّر من إحدى لوحات المجلد يُظهر بقايا الخط العربي الممحو (توقيع عبد الغفار وشروحه) تحت سطح الطباعة، وتعرض دراسة مونك في مكتبة قطر الرقمية مقارناتٍ قبل التحرير وبعده.
طبقات الشهادة
يمكن الآن جمعُ ما فرَّقته الحالتان في مفهومٍ واحد تقترحه هذه المقالة أساسًا للتعامل مع الصورة الشعبية، ألا وهو «طبقات الشهادة». تشهد طبقةُ المشهد (امرأةٌ وقفت هنا، ومكّي جلس هناك)، وتشهد طبقةُ الأداء (ماذا أراد الواقفون أمام العدسة أن يبدوا، وأيّ خلفيةٍ استعاروا، وأيّ وقفةٍ قلَّدوا، وأيّ شاشةٍ زوَّدتهم بها)، وتشهد طبقةُ المادة (الخدش والطيَّة والاصفرار وأثر الدبوس)، كما تشهد طبقةُ المنشأ والنسبة (من التقط، ولمن، ومن حاز، ومن نسب أو محا)، ثم تشهد طبقةُ الوصف اللاحق (الأسماء والتواريخ والسياقات والشهادات الشفوية التي تُلحق بالصورة معرفةً موثَّقة لم تكن في سطحها). وهذه الطبقات ليست سواءً في يقينها، ومن أمانة القراءة بيانُ درجة الثقة في كل طبقة.
وبهذا المفهوم تتضح وظيفة العمل الأرشيفي؛ فالأرشفة سلسلة أفعال مهنية متمايزة: اقتناءٌ، وتقييم، وترتيب، ووصف، وحفظ، ورقمنة، وإتاحة. ثم تدخل المادة لاحقًا في استخدامات بحثية أو فنية أو قيّمية تتجاوز وظائف الحفظ والوصف الأساسية. وكلُّ عملية منها تضيف طبقةً من الاختيار والوصف، وتتجلَّى أمانتُها في توثيق تلك الطبقة وإبقاء أثرها قابلًا للمراجعة. والأرشيف لا يملك دائمًا أن يحفظ كل الطبقات بالطريقة نفسها، لكنه يوثِّق علاقاتها وتسلسلها، ولا يقدِّم طبقة لاحقة على أنها الأصل من غير بيان، فيمكن عمليًّا التمييز بين الأصل المادي الذي تُحفظ حالته وآثار تاريخه مع توثيق أي معالجة حفظية تُجرى عليه، ونسخة الإتاحة، والنسخة المعالجة أو المشتقة المنتجة لغرض معلن، والعمل الفني المشتق الذي يوقعه صاحبه.
بهذا الميزان يُقرأ الخدشان معًا، فقد أضاف تكبيرُ زعتري طبقةً معلنةً باسمه وتاريخه وأبقى السلسلة مقروءة، أمَّا تدخل هورخرونيه فقد محا طبقتيْ الأداء والاسم، وقدَّم ما بقي على أنه الأصل عبر نشر النسخ المحرَّرة من غير بيانٍ كافٍ لطبيعة ما أُجري عليها، فقطع السلسلة. والأرشفة، في أدقِّ صورها، استدعاءُ الشاهد إلى المنصة، على أن يُثبَت في المحضر من استدعاه، وبأي صياغةٍ سُئل، وما الذي طرأ على أقواله في الطريق.
أخلاقيات النسبة والإتاحة
وليست الحالتان اللتان ضربت بهما المقالة المثل إلا نزرًا يسيرًا مما ينتظرنا في حال جُمعت هذه الصور المترامية. فما وجده زعتري في إستوديو واحد بمدينة متوسطة يُرجح أن تكون له نظائر، بمقادير لا نعرفها بعد، في مدن عربية عديدة، فهناك إستوديوهات أغلقت أبوابها مع الرقمنة أو أوشكت، ونيغاتيفات تتحلَّل في أدراجٍ ومخازن لا يشملها إيداعٌ قانوني ولا برنامج اقتناء. وهذا المشهد يغري بلغة الكنز الأرشيفي الذي لم يُكتشف بعد، وهي لغة ينبغي تفهُّم حماستها مع التنبه لروح مفرداتها؛ فالكنز يُستخرج ويُقتسم ويُسعَّر، والاكتشاف يفترض أرضًا خلاءً لا أصحاب لها، وكلاهما ما قامت هذه المقالة على نقضه. والأدقُّ أن هذه الإستوديوهات شهودٌ لم يُستدعوا بعد، وأن ضمَّها القادم إلى مشروعات الحفظ، إن جرى بلا قواعد، سيكرّر مِكشط ليدن بنوايا حسنة. ولهذا المسألة الأخلاقية الآتية ليست تعقيبًا على ماضٍ انقضى؛ بقدر ماهي بروتوكول موجَّه لمرحلة مقبلة محتملة.
تبقى المنطقة الأشد حساسية في التساؤل عمَّا يحق لمن يتولَّى هذه الصور، مؤرشِفًا كان أو باحثًا أو فنَّانًا أو مؤسسة، أن يفعل بها؟ السيدة في صيدا لم تُسأل يومًا عن عرض وجهها المجروح (وهذه المقالة إذ أورَدت صورتها، داخلةٌ في هذا السؤال وليست بمنأى عنه، ولذلك تثبت مصدرَها وسياقَها وضرورةَ إيرادها في موضعها)، وأهل مكة الذين جلسوا أمام عدسة طبيبهم لم يعلموا أن صورهم ستُقص وتُتداوَل في سياق آخر في بلاد بعيدة. والجواب يحتاج تفريق الحقوق والمصالح التي تتزاحم على الصورة الواحدة، مثل حقِّ المصوِّر وورثتِه في النسبة والأثر، وحقوق الأشخاص المصوَّرين وذريتِهم في الكرامة والخصوصية والاعتراض، والمصلحة العامة في المعرفة والتاريخ، إلى جانب حساسية المحتوى التي تتفاوت من صورة عرسٍ إلى صورة قهرٍ موثق، وسياق الإتاحة الذي يجعل العرضَ نفسه مقبولًا في قاعة بحثٍ ومجروحًا في مادة دعائية.
بين حق الظهور المتأخر، الذي يردُّ الاعتبار لمن حُذفوا من التاريخ المرئي، وحقِّ الستر، لا تحسم قاعدةٌ عامةٌ جميع الحالات بالمسطرة نفسها، لكن يُجتهد في التوازن صورةً صورة، على هذه الأسس مجتمعة. وتتلخَّص أمانة هذا الاجتهاد في مبادئ يعرفها أهل المهنة وتستحق أن تُكتب في صدر كل مشروع يتناول الصورة الشعبية، وتتمثَّل في حفظ الأصل، وتوثيق كل تدخل وجعله قابلًا للعكس ما أمكن أو بيانه حين يتعذر العكس، وتوثيق المنشأ ومسارِ الحيازة واحترام علاقات الصور داخل مجموعتها الأصلية، فضلًا عن تعدد الأوصاف، إذ يجاور وصفُ المؤسسة تسميةَ الأسرة وشهادةَ المجتمع المحلي من غير أن يمحو أحدُها الآخر، مع بيان درجات الثقة، واحترام القيود والخصوصية. ولا يعني ذلك إخراج هذه الصور من التداول كله؛ فالطباعة والنسخ المشتقة والحقوق قد تدخل أسواقًا مشروعة متى روعيت الحقوق والشروط. والمعيار ألَّا يُختزل الشاهد في قيمته السوقية، ولا يُتداول بما يفصل صورتَه عن حقوق أصحابها وسياقها ومنشئها. وتبدأ أمانة التعامل كلها من الفعل الأصغر والأثقل: إثباتُ الاسم ما أمكن.
خاتمة: الصورة لا تصل وحدها
كل صورة شعبية تصلنا محمولةً بسلسلة أفعال، بدءًا بيدٍ أخرجت المشهد، ويدٍ ضغطت الزر، ويدٍ حمَّضت وطبعت، وصولًا إلى أيدٍ حازت وأهملت وقصَّت وكشطت ونسبت ووصفت وأتاحت. وتكمن العدالة تجاه هذه الصور في إظهار هذه السلسلة: أن يُحفظ من كل صورة ما يسمح بفهم ما تشهد به، كمعرفة من التقطها، ولمن التُقطت، وكيف استُعملت، ومن عدَّلها، وما الذي حُذف منها، وبأي درجة من اليقين نعرف ذلك كله.
وفي البيوت أدراجٌ لا تُحصى من هذه الصور، تنتظر أن يُعاد وصلها بأسمائها وسياقاتها وقرائنها. أمّا نحن الآن فنعرف من أين نبدأ، لأن الخدشين علَّمانا ذلك: من التوقيع المكشوط في مجلدات ليدن، حيث يكون أول العدل أن يُكتب الاسم من جديد، وصولًا إلى النيغاتيف المجروح في صيدا، حيث يبدأ الفهم بحفظ أثر الجرح وتوثيق سببه، إلى جانب الوجه الذي أراد يومًا، على مسرح صغير مستأجَر، أن يُرى.
[1]Akram Zaatari, Hashem el Madani: Studio Practices (London: The Photographers’ Gallery / Mind the Gap / Arab Image Foundation, 2004)؛ وانظر رواية هاشم المدني المنشورة في: KADIST, “Baqari’s Wife, Studio Shehrazade, Saida, Lebanon” (1957)؛ وترد واقعة بكاء الزوج في مادة معرض “Akram Zaatari: The End of Love”، The Arts Club Dubai.
[2] Anna Canby Monk, “‘Abd al-Ghaffār: The First Meccan Photographer,” Qatar Digital Library, 18 August 2014؛ وAnna Canby Monk, “From the Individual to the Archetypal: ‘Abd al-Ghaffār’s Edited Photographic Portraits,” Qatar Digital Library, 18 December 2014 ونُشرت الصور ضمن: C. Snouck Hurgronje, Bilder-Atlas zu Mekka (1888); Bilder aus Mekka (Leiden: Brill, 1889).
[3] Geoffrey Batchen, “Vernacular Photographies,” History of Photography 24, no. 3 (2000): 262–271.
[4] في التاريخ الاجتماعي للبورتريه العربي المبكر وإستوديوهاته، انظر: Stephen Sheehi, The Arab Imago: A Social History of Portrait Photography, 1860–1910 (Princeton: Princeton University Press, 2016).
[5] في مفهوم «غرف الأحلام» والإستوديو بوصفه مجالًا لتجريب الهوية، انظر Christopher Pinney, Camera Indica: The Social Life of Indian Photographs :
(Chicago: University of Chicago Press, 1997)، ولا سيما فصل “Chambers of Dreams”، وفي مفهوم «الحداثة المحلية»، انظر:
Christopher Pinney, “Notes from the Surface of the Image: Photography, Postcolonialism, and Vernacular Modernism,” in Photography’s Other Histories (Durham: Duke University Press, 2003), 202–220؛ وانظر أيضًا:
: Suresh Punjabi and Christopher Pinney, Artisan Camera: Studio Photography from Central India (Chennai: Tara Books, 2013).
[6] رولان بارت، «الغرفة المضيئة: تأملات في الفوتوغرافيا»، ترجمة: هالة نمر (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010)… وانظر:
Walter Benjamin, “A Little History of Photography,” in Selected Writings, vol. 2, part 2: 1931–1934, ed. Michael W. Jennings, Howard Eiland, and Gary Smith (Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press, 2005).
[7] في سيرة المدني والإستوديو، انظر Akram Zaatari, Hashem el Madani: Studio Practices (2004):؛ Dalia Al-Dujaili, “Pretend Same-Sex Marriages, a Bomb Explosion and a Jealous Husband: The Legacy of a Legendary Arab Photo Studio,” 1854 Photography, 10 January 2025.
[8] في الوضعيات المستوحاة من السينما ورغبات الجالسين، وفي وضعيات «العروسين» المؤداة بين شخصين من الجنس نفسه، انظر Zaatari, Studio Practices:؛ وAkram Zaatari, Objects of Study / Studio Shehrazade / Footnotes: Kissing Series, photographs by Hashem el Madani, 1950s (2014).
[9] انظر مواد متحف تيت (لندن) التعريفية بسلسلة «مواضيع الدراسة / أرشيف إستوديو شهرزاد / هاشم المدني: ممارسات الإستوديو».
[10] Akram Zaatari, Damaged Negatives: Scratched Portrait of Mrs. Baqari (2012), inkjet print made from a scratched 35 mm negative from the Hashem el Madani archive, 180 × 120 cm.
[11]Arab Image Foundation, “About”؛ وانظر سجل العمل في Centre Pompidou: Akram Zaatari, Objects of Study: The Archive of Studio Shehrazade - Hashem El Madani - Studio Practices (2006)..
[12]Akram Zaatari, Damaged Negatives: Scratched Portrait of Mrs. Baqari (2012), inkjet print made from a scratched 35 mm negative from the Hashem el Madani archive, 180 × 120 cm؛ وانظر حوار: Anthony Downey, “Photography as Apparatus: Akram Zaatari in Conversation,” 2018، ومادة معرض The Fold: Space, Time and the Image (Contemporary Arts Center, Cincinnati, 2018) في مفهوم «الشيء العارف» (informed object)..
[13] توثق دراسة مونك مهنَه إلى جانب الطب والتصوير (طبّ الأسنان، وإصلاح الساعات، والبندقيات، وصهر الذهب والفضة)، وإفادتَه من تقنيات حديثة نقلها إليه هورخرونيه ومنها طريقة الألواح الجافة، ومصادفةَ أن المستشرق تسمّى «عبد الغفار» عقب إشهار إسلامه قبيل دخوله مكة. ويضيف التوثيقُ المحلي المكي (موقع «قبلة الدنيا») تفاصيلَ يُستأنس بها ولا تقوم مقام المصادر المحكّمة. وفي التصوير المبكر في الجزيرة العربية عمومًا:
William Facey with Gillian Grant, Saudi Arabia by the First Photographers (London: Stacey International, 1996).
[14] Anna Canby Monk, “‘Abd al-Ghaffār: The First Meccan Photographer,” Qatar Digital Library؛ وتصف الدراسة الصور بأنها أول الصور المعروفة لحجاج يشاركون في الحج.
[15] رسائل هورخرونيه المحفوظة في مكتبة جامعة ليدن، أرشيف سنوك هورخرونيه، Or. 8592 (رسالتا 5 مارس و26 ديسمبر 1886)، كما وثقتها دراسة مونك المذكورة.
[16] دراسة مونك المذكورة، وفيها تفصيل عمليات التحرير بالاستنسل الورقي أثناء الطبع وإزالة التوقيعات والشروح، وفيها عبارة هورخرونيه في منشور 1889 عن «الطبيب المكي الذي تولّيتُ تعليمه»؛ ولمونك مقالة أخرى مخصصة لتحول بورتريهاته المحررة من الفرد إلى النمط Anna Canby Monk, “From the Individual to the Archetypal: ‘Abd al-Ghaffār’s Edited Photographic Portraits,” Qatar Digital Library.
[17] لمن شاء رواية المستشرق نفسه بالعربية، فقد نُقل كتابه «صفحات من تاريخ مكة المكرمة» انظر: سنوك هورخرونيه، «صفحات من تاريخ مكة المكرمة»، نقله إلى العربية: علي عودة الشيوخ، وأعاد صياغته وعلق عليه: محمد محمود السرياني ومعراج مرزا.
[18] Johannes Fabian, Time and the Other: How Anthropology Makes Its Object (New York: Columbia University Press, 1983), esp. pp. 25–35. والمصطلح عنده "denial of coevalness".
[19] Allan Sekula, “The Body and the Archive,” October 39 (Winter 1986).
[20] يوثّق السجل الفهرسي لمجلد Bilder aus Mekka في مكتبة قطر الرقمية (المكتبة البريطانية، X463) أن الكتابة العربية على كثير من النيغاتيفات مُحيت محوًا خفيفًا، وظلت مرئية عند الفحص الدقيق للمطبوعات، ويحيل في بحث نسبة الصور إلى: Claude Sui, “Travel to the Holy Land and Photography in the Nineteenth Century,” in To the Holy Lands (Mannheim: Reiss-Engelhorn Museum, 2008) ؛ وينقل بدر الحاج أن F. H. S. Allen وC. E. S. Gavin تمكّنا عام 1981 من قراءة التوقيعات الممحوة، ومنها: «فوتوغرافية السيد عبد الغفار، طبيب بمكة»؛ انظر: Badr El-Hage, Saudi Arabia: Caught in Time, 1861–1939 (Reading: Garnet, 1997).

