فيلهلم هاينريش فاكنرودر / لودفيغ تيك
ترجمة: فادي حنا
من كتاب: سَوْراتُ قلبِ راهب مُحب للفن، برلين، 1797.

ظلّت إلهاماتُ الشعراء والفنانين، منذ القِدَم، لغزًا عظيمًا يؤرّق العالَم، وموضوعَ نزاعٍ وجدال.
أما جمهورُ الناس فلا يتهيأ لهم أن ينفذوا إلى حقيقة هذا الأمر وكنهه، وإنما يصوغون عنه، في الغالب، تصوّراتٍ زائفةً مشوَّهة.
ومن هنا فقد كُتب وقيل من الحماقات والترهات في شأن الكشوف الباطنة لعباقرة الفن، من داخل المذاهب ومن خارجها، وبمنهجٍ أو بغير منهج، بمثل ما كُتب وقيل في أسرار ديننا المقدَّس.
إن أولئك الذين يُدعون منظّرين وأصحاب مذاهب لا يصفون لنا إلهام الفنان إلا نقلًا وسماعًا، ويبلغ زهوُهم بأنفسهم غايته حين ينسجون، بتفلسفهم الزائف الأجوف المدنَّس، ألفاظًا تحوم حول أمرٍ لا يعرفون روحه ولا يدركون كنهه؛ ذلك الروح الذي لا يمكن حصره في كلمات.
إنهم يتحدّثون عن إلهام الفنان كما لو كان شيئًا ماثلًا نصب أعينهم؛ يفسّرونها، ويُكثرون الرواية عنها، وكان حقيقًا بهم أن يخجلوا من النطق بهذه الكلمة المقدَّسة؛ لأنهم لا يعلمون ماذا ينطقون به حين تجري على ألسنتهم.
وكم أساء الكتّاب المحدثون المتحذلقون إلى مسألة المُثُل في الفنون التشكيلية بثرثرةٍ جوفاء لا تنتهي!
إنهم يسلّمون بأن الرسّام والمثّال لا بد أن يبلغا مُثُلَهما بطريقٍ أعجب وأبعد عن المألوف من طريق الطبيعة العامة والتجربة؛ ويقرّون بأن ذلك يقع على نحوٍ سرّيٍّ غامض، ومع ذلك يوهمون أنفسهم وتلامذتهم، أنهم يعرفون كيف يكون ذلك؛ فكأنهم يستحيون أن يكون في نفس الإنسان شيءٌ مستترٌ محجوب، لا يستطيعون أن يقدّموا عنه جوابًا للشبان المتعطّشين إلى المعرفة.
وهناك آخرون، في حقيقة الأمر، ساخرون جاحدون عُميان البصيرة، ينكرون إنكارًا تامًّا، بتندرهم المستهزئ، ما في الإلهام الفني من عنصرٍ سماويّ، ولا يريدون البتة أن يقرّوا بامتيازٍ خاصٍّ أو مسحةٍ خاصة لبعض الأرواح النادرة السامية، لأنهم يشعرون في أنفسهم أنهم أبعدُ ما يكونون عنها.
غير أن هؤلاء لا يعنيني أمرهم هنا، ولستُ أخاطبهم.
أما أدعياء الحكمة الذين أشرتُ إليهم، فإني أرغب في أن أعلّمهم شيئًا.
إنهم يضيّعون عقولَ تلامذتهم الفتيّة، إذ يلقِّنونهم، في شأن الأمور الإلهية، أحكامًا قاطعة في جرأةٍ وخفّة، كما لو كانت أمورًا إنسانية؛ وبذلك يغرسون فيهم الوهمَ بأن في قدرتهم أن يبلغوا ما لم يبلغه أعظم أساتذة الفن بجرأتهم - ولي أن أقولها صريحةً - إلا بإلهامٍ إلهي.
لقد دوّن الناسُ غيرَ قليلٍ من النوادر، وأعادوا روايتَها مرارًا، وحفظوا غيرَ قليلٍ من الأقوال المأثورة ذات الدلالة عن الفنانين، وردّدوها مرةً بعد مرة؛ فكيف أمكن أن تُسمَع هذه كلُّها بإعجابٍ سطحيٍّ محض، حتى لم يخطر لأحدٍ أن يستشفّ من هذه العلامات الناطقة قدسَ أقداس الفن الذي كانت تشير إليه؟ وألا يعترف هنا أيضًا، كما في سائر الطبيعة، بأثر إصبع الله؟
أما أنا، فقد ظلّ هذا الإيمان كامنًا في نفسي منذ أمد بعيد؛ غير أنه انكشف لي الآن في صورة يقين لا لبس فيه.
وإني لسعيد إذ اصطفتني السماءُ لأنشر مجدَها ببرهانٍ بيّنٍ على عجائبها التي لم تُعرَف حقَّ معرفتها؛ فقد وُفِّقتُ إلى أن أُقيم مذبحًا جديدًا لمجد الله.
إن رافائيل، وهو الشمس المضيئة بين جميع الرسّامين، قد خلّف لنا، في رسالةٍ له إلى الكونت كاستليونه، الكلماتِ الآتية، وهي عندي أنفسُ من الذهب، وما استطعتُ قط أن أقرأها من غير شعورٍ خفيٍّ غامضٍ بالرهبة والخشوع؛ إذ يقول فيها:
«لَمّا كان المرء لا يرى إلا قليلًا من الهيئات النسائية الجميلة، فإن في روحي صورةً أستمسك بها، تنبثق في نفسي.»
أما هذه الكلمات الزاخرة بالدلالة، فقد انقدح لي بشأنها، منذ عهدٍ قريب، وعلى غير توقّعٍ البتة، نورٌ ساطع، ملأني فرحًا صميمًا.
كنتُ أُفتِّش في كنز المخطوطات العتيقة في ديرنا، فوجدتُ، بين غير قليلٍ من الرقوق المغبرّة التي لا طائل تحتها، أوراقًا قليلةً بخطِّ برامانتي، لا يُدرى كيف وصلت إلى هذا الموضع.
وكان مكتوبًا في إحدى هذه الأوراق ما يلي، وسأورده هنا بالألمانية من غير مزيد إطناب:
«إمتاعًا لنفسي، ولكي أحفظه عندي حفظًا دقيقًا، أريد أن أدوّن هنا حادثةً عجيبة، أسرَّ بها إليَّ رافائيل صديقي العزيز، في طيّ الكتمان.
منذ زمنٍ غير بعيد، أبديتُ له، من صميم قلبي، إعجابي بصوره للعذراء والأُسرة المقدَّسة، المرسومة بجمالٍ يفوق كلَّ وصف، وألححتُ عليه برجاءاتٍ كثيرة أن يقول لي: من أين، بالله، استمدّ ذلك الجمالَ الذي لا يُضاهى، وتلك الملامحَ المؤثِّرة، وذلك التعبيرَ الذي لا يُجاوَز في صوره للعذراء القديسة؟ فبعد أن دافعني زمنًا بما جُبل عليه من حياءٍ فتيٍّ وانطواء، اضطرب أخيرًا اضطرابًا شديدًا، وألقى بذراعيه حول عنقي باكيًا، وكشف لي سرَّه.
وقصَّ عليَّ كيف أنه، منذ طفولته الغضّة، كان يحمل في نفسه دائمًا شعورًا مقدَّسًا خاصًّا نحو والدة الإله، حتى إنه كان، أحيانًا، لمجرّد النطق باسمها جهرًا، يستولي عليه إحساسٌ عميقٌ بالشجن.
ثم إن حسَّه، بعد ذلك، لما اتجه إلى التصوير، صار أسمى أمانيه على الدوام أن يصوِّر العذراء مريم في كمالها السماوي حقًّا؛ غير أنه لم يكن يجرؤ بعدُ على الإقدام على ذلك.
وكان وجدانه، وقد تأجّج بها، عاكفًا على صورتها ليلَ نهار، بلا انقطاع؛ غير أنه لم يستطع قط أن يُتمَّها إتمامًا يرضيه؛ وكان يخيل إليه دائمًا كأنما خيالُه يعمل في الظلام.
ومع ذلك كان يحدث أحيانًا أن ينقدح في نفسه، كأنه شعاعٌ سماويٌّ من نور، فيرى الصورةَ أمامه بخطوطٍ جليّة كما أرادها؛ غير أن ذلك لم يكن يدوم إلا لحظةً واحدة، ولم يكن يستطيع أن يستبقي تلك الصورة في وجدانه.
وهكذا ظلّت نفسُه مدفوعةً بقلقٍ دائم؛ فلا يرى الملامحَ إلا هائمةً متناثرة، ولا يريد حدسُه الغامض أن ينحلّ قطُّ إلى صورةٍ جليّة.
وأخيرًا لم يعد قادرًا على ضبط نفسه، فشرع، بيدٍ مرتجفة، يرسم لوحةً للعذراء القديسة؛ وكلما أوغل في العمل، ازداد اضطرامًا واتقادًا.
وذاتَ ليلة، إذ كان في الحلم - كما حدث له مرارًا - يصلّي إلى العذراء، إذا به يهبُّ من نومه بغتةً، وقد اشتدّ به الاضطراب.
وفي غياهب الليل انجذب بصرُه إلى لمعانٍ ساطعٍ على الجدار، قبالةَ مضجعه؛ فلما أمعن النظرَ تبيّن أن صورتَه للعذراء، التي كانت معلَّقةً على الجدار ولمّا تزل غيرَ مكتملة، قد غمرها ألطفُ شعاعٍ من نور، وصارت صورةً كاملةً كلَّ الكمال، حيّةً حقًّا.
وقد غلبتْه الألوهيةُ المتجلّية في هذه الصورة غلبةً شديدة، حتى انفجر باكيًا بكاءً حارًّا.
وكانت تنظر إليه بعينيها على نحوٍ مؤثِّرٍ لا يُوصَف، وكانت تبدو في كل لحظة كأنها توشك أن تتحرّك؛ بل لقد خُيِّل إليه أنها تتحرّك حقًّا.
وأعجبُ ما في الأمر أنه بدا له أن هذه الصورة هي بعينها ما كان يطلبه دائمًا، وإن لم يكن لديه عنها، من قبل، إلا حدسٌ غامضٌ مضطرب.
أمّا كيف عاد إلى النوم، فلم يكن يذكر ذلك البتة.
وفي صباح اليوم التالي نهض كأنه وُلد من جديد؛ فقد بقي ذلك التجلّي منقوشًا في وجدانه وحواسّه إلى الأبد، ومنذئذٍ وُفِّق إلى تصوير والدة الإله دائمًا على النحو الذي كانت تتراءى به لنفسه، وكان هو نفسه يشعر دائمًا، أمام صوره، بشيءٍ من المهابة والتوقير.
هذا ما قصَّه عليَّ صديقي، رافائيل العزيز؛ وقد بدا لي بالغَ الأهمية والغرابة، حتى إني دوَّنتُه لي إمتاعًا لنفسي.»
هذا هو مضمونُ الورقة التي لا تُقدَّر بثمن، والتي وقعت في يدي.
أفلا يرى المرء الآن رأيَ العين، في وضوحٍ وجلاء، ما الذي كان رافائيل الإلهي يعنيه بتلك الكلمات العجيبة حين يقول: «إن في روحي صورةً أستمسك بها، تنبثق في نفسي»؟
أفلا يفهم المرء، وقد رأى في ذلك آيةً بيّنةً من آيات القدرة السماوية، أن نفسَه البريئة كانت تنطق في هذه الكلمات البسيطة بمعنًى بالغِ العمق والعظمة؟
أفلا يُدرِك المرءُ الآن، آخرَ الأمر، أن تلك الثرثرة المدنَّسة كلَّها حول إلهام الفنان إنما هي إثمٌ حقيقي؟ وأفلا يقتنع بأن الأمر، في هذا الشأن، لا يتعلّق قطُّ بشيءٍ سوى المعونة الإلهية المباشرة؟
غير أني لا أزيد على ذلك شيئًا، بل أدع كل امرئ، في هذا الموضوع الخطير الجدير بالتأمّل الجاد، إلى تفكيره الخاص.

