بهجة الضيافة في المنمنمات الإسلامية

single

قراءة استطرادية في فينومينولوجيا الضيافة لعبد الله المطيري - د. ملاك الجهني

 

"كان عملنا في ذلك الوقت ضربًا من البحث المخبري، استُبعد منه أي تظاهر بالغرور الفردي، ينبغي لك فِهم هذه الحالة النفسية".

بابلو بيكاسو

 

الضيافة كما تناولها فيلسوف الضيافة عبد الله المطيري في أطروحته (فلسفة الآخرية) ظاهرةٌ يتجسد فيها وجود الكائن (إنسانًا أو غيره) باعتباره وجودًا من أجل الآخر، وهذا يعني ارتباط الذات في علاقة بالآخر من أجل ذلك الآخر؛ إذ الضيافة ترحيبٌ بالآخر ومنحه مكانةً في الذات، والقول إن الضيافة علاقة ترحيب بالآخرية، يُفضي إلى تخلي الذات عن أي حق في تحديد معايير الآخر الذي يُرحَّب به بصفته ضيفًا.

ويتجلى هذا التخلي في مظاهر مختلفة، منها رمزية الباب المفتوح؛ فالباب المفتوح إعلان بأن ذات المضيف قد تخلت عن أي سيطرة أو تحكم فيمن يدخل عليها بيتها، والباب هنا بابٌ على الآخرية، وتعبيرٌ عن السلبية والتسليم والاستقبال الأول، ما يعد بمثابة الشروط الأولية لاستقبال الآخرية.

إن تناولَ المطيري للضيافة تناولٌ ظاهراتي-فينومينولوجي- يقوم على وصف العلاقة بين الذات والآخر في حال الضيافة والمعنى الأخلاقي والوجودي المتشكل مع تلك العلاقة، وهي علاقة اجتماعية يتشكل معها تصورٌ للعالم والحياة، وتكون الضيافة بهذا المعنى نمطًا من أنماط الوجود مع الآخرين، ونمطًا من أنماط الوجود في العالم[1].

ولن تتطرق هذه الصفحات لضيافة الإنسان للآخر، بل تستلهم موضوعها من نماذج ضيافة غير الإنسان للآخر عند المطيري، كضيافة الأرض، ممثلة في ضيافة الصحراء لنازليها، وضيافة المكان العام لمرتاديه، فلا ضيافة بغير أرض، وانتماء الإنسان للأرض يجعل ذاته قادرة على الاستضافة والعطاء، لأنها تعطيه ما يمحنه، وإذا كان البيت الخاص بإنسانٍ بعينه يكتسب عمومية فيتحول حال الضيافة إلى بيت للآخر، فإن المكان العام يكتسب خصوصية حال الضيافة رغم أن المنتظرين للضيف القادم سيغادرون المكان ولا يملكونه، وهذه الخصوصية المكتسبة للمكان العام حال الضيافة إنما تكون باعتبار تحقيق الضيافة انتماءً خاصًا يعيد الاتصال الفردي الخاص والمسؤولية الذاتية مع المكان العام من جديد، والأرض هنا رمز الانتماء والارتباط والتعلق، والضيافة علاقة أرضية رغم انفتاحها على آفاق اللامتناهي[2]. وعليه فإن هذه الصفحات ما هي إلا محاولة لتوسيع فينومينولوجيا الضيافة، والتخصيب المتبادل للأفكار، من خلال القراءة الفينومينولوجية لضيافة غير الإنسان للآخر في مجال فني وجمالي هو فن المنمنمات (Miniatures).

والمنمنمات جمع منمنمة، وتعني الشيء المزخرف والمزركش، ونمنم الشيء، أي زركشه وزخرفه[3]، والمنمنمة هي التزيين بالتصاوير المرسومة باليد[4]، وتعني كذلك الخطوط المتقاربة والقصيرة، وعادة ما تكون المنمنمة صغيرة ودقيقة، وتطلق غالبًا على الرسومات التوضيحية المصاحبة للمخطوطات الورقية[5]، وإن شاع عند الباحثين حديثًا تسميتها بالصور والتصاوير[6].

وهي نوع من الفنون السائدة قبل الإسلام، واستلهمها المسلمون إبان انفتاحهم على الحضارات الأخرى بيزنطية وساسانية وهندية، وتفاعلوا مع تأثيراتها الحضارية بما اتسق غالبًا ورؤيتهم الكونية. وتُشَكِّل المنمنمات الإسلامية توليفًا من التقاليد العربية والفارسية والتركية التي اكتمل شملها معًا في سائر أنحاء العالم الإسلامي آنذاك، حتى غدت من أهم مجالات الفن الإسلامي، وتقاليده الجمالية.

 وتتنوع المنمنمات بين تاريخية، وأدبية، وعلمية، ودينية، كما تتنوع مدارسها باختلاف الأقاليم والعصور.  وتتميز المنمنمة بغياب المنظور أو perspective الذي يمنح العمل الفني عمقًا وتجسيدًا، وينأى به عن الصورة المسطَّحة ذات البعدين فقط، بخلاف الصور ذات الأبعاد الثلاثية في الفن الأوروبي الذي اتسم – منذ عصر النهضة – بالاعتماد على ما يعرف بـ(نقطة التلاشي) وهي نقطة تجعل الأشياء البعيدة تبدو أصغر حجمًا من الأشياء القريبة في اللوحة الفنية أو المشهد المصوَّر، وتلتقي عند تلك النقطة خطوط الأفق، ما يعطي إيحاءً بالعمق الواقعي ثلاثي الأبعاد[7].

وقد توافقت المنمنمات باستبعادها فكرة التجسيد والتجسيم مع الرؤية التوحيدية التي انعكست على الفنون الإسلامية، فأهملت المنظور في أعمالها، كما أهمل بعضها مراعاة النسب التشريحية في رسم الشخوص والكائنات، وحافظ معظم أصحاب هذا الفن على طابعه الفريد حتى في المنمنمات المتأخرة نسبيًا كمنمنمات مخطوطة (منطق الطير) للعطار، التي رُسِمت عدة مرات، منها ما كان في القرن السابع عشر الميلادي، وهو العصر الذي شهد انفتاحًا وتبادلاً تجاريًا ودبلوماسيًا مع أوروبا. 

ورغم تأثر بعض فناني مخطوطات ذلك العصر بالفن الأوروبي تأثرًا طفيفًا تمثل في أسلوب رسم الخطوط الليِّنة والملابس، فقد رفضوا تبني المنظور الخطِّي وثنائية الضوء والظِلال في الفن الأوروبي، ولم يستجيبوا لقواعد المحاكاة الغربية؛ بل وزِّعت العناصر في المنمنمة بما يخدم الدلالة الرمزية، لا ما يخدم الواقعية البصرية[8]. 

ويظهر ذلك الطابع الفني الفريد في منمنمات أخرى رُسِمت في أزمنة مختلفة، منها منمنمات عربية فائقة الشهرة، وهي منمنمات يحيى بن محمود الواسطي[9] على مقامات الحريري[10]، التي نرى فيها شخوصًا وعناصر متفاوتة الأحجام، وتفتقر للعمق الذي يمنحه المنظور، لكنها لا تفتقر لرمزية عميقة. 

ورغم أن المنظور الغائب في المنمنمات هو المنظور الخطي  perspective Linear، فإن هذا لا يعني انعدام وجود منظورات وطرائق أخرى تُنَظِّم الشخوص والعناصر في المنمنمة؛ ومنها تعدد نقاط النظر، والمنظور العمودي الذي يرتب فيه الفنان عناصر المنمنمة عموديًا[11]؛ فيشير العنصر الأعلى فيها إلى الأبعد مكانًا أو الأعلى مكانة، الأمر الذي ينتج عنه تعدد مستويات النظر في المشهد المصوَّر، كما تتسم المنمنمات بتسوية الأبعاد، فتظهر الشرفات والأبواب في واجهات المنازل بشكل ثنائي الأبعاد ومسطَّح ومتناظر، حيث لا يهدف فنانو المنمنمات إلى محاكاة الواقع المادي البصري، بل تقديم مساحة رمزية تستوعب جميع عناصر القصة في كادر واحد.

ويرى الفنان والأكاديمي المصري الدكتور مراد درويش في غياب المنظور الخطي في المنمنمة دعوة للناظر لمجالسة شخوص المنمنمة، وإشعارًا بالألفة، لكنه وقف عند هذه الملحوظة ولم يوسعها، الأمر الذي تحاوله هذه المقالة[12].

 ووصلاً لهذه الفكرة، بفلسفة الضيافة للدكتور المطيري، أي الضيافة باعتبارها نداء للآخر، وبهجة وأنسًا به، وانسجامًا مع العالم، يسعنا تأمل ما تتيحه بعض المنمنمات باعتبارها كائنًا غير إنساني، ويمكننا الإنصات لفينومينولوجيا الضيافة في المنمنمات في شقًّين/خبرتين مترابطتين، هما: الخبرة البصرية (Visual Experience)، والخبرة الوجدانية (Emotional/Aesthetic Experience).

ويتأتى الإنصات لنداء الضيافة في شقِّها الأول الخبرة البصرية، في الإتاحة البصرية، وتعني قدرة الناظر على التجول بين عناصر المشهد، وفهم العلاقات بينها؛ فيمكن للناظر رؤية الأشخاص والثياب والآنية والأبنية بدرجات متقاربة من الوضوح، حتى إن دلِّت مواضعها على تباين المسافات؛ إذ لا يختفي البعيد منها في ضباب بصري، ولا يُختزل كل عنصر منها إلى ما تسمح برؤيته عين ثابتة. ولا يعود هذا الإشعار بالقرب لدخول الناظر إلى المكان هندسيًا، بل لأن المنمنمة أتاحت له الاطلاع على تفاصيله، ليغدو القرب علاقة انتباه ومعرفة، بجانب كونه قربًا يتصل بالمسافة.

كما أن تعدد مواضع النظر في المنمنمة يمنح الناظر حرية التجول فيها؛ فحين يرى -مثلاً-الواجهة من الأمام، والباحة من الأعلى، وجانبًا من الداخل، فإن المنمنمة هنا تتيح لعينيه التنقل بين مواضع لا يجمعها موقع مشاهدة واحد، كما في منمنمة مخطوط (منطق الطير[13]) أدناه.

وتتجلى الخبرة البصرية هنا في أن التنقل يُشعر الناظر بأن المكان متاح له؛ فيمكنه الوقوف عند نافذة، ثم مشاهدة فعلٍ يجري في الباحة، ومنه إلى تأمل عنصر أعلى البناء، وبهذا تغدو المشاهدة زيارة متأنية متعددة المحطات. 

ولا يضع هذا التمييز حدًا فاصلاً أو تباينًا مطلقًا بين المشهد ذي المنظور الخَطِّي في الأعمال الفنية القائمة عليه، ومشهد المنمنمة المتحررة من ذلك المنظور؛ فالمنظور الخَطِّي يسعه أيضًا إدخال الناظر إلى المشهد، والفرق بينهما ليس فرقًا بين (فنٍّ يستضيف) و(فنٍّ يُبعد) بل بين طرق مختلفة لمنح الناظر موضِعًا وحركة.

ثم إن خفوت التجسيم في المنمنمة يخفف من المواجهة الجسدية، فحين لا تندفع الكتل باتجاه الناظر بإيهام قوي، ولا يفرض الضوء والظل حضورهما الثقيل، يمكن للناظر الشعور بأن العناصر أقرب إلى المعاينة الهادئة، فيقترب منها بتأمل دون أن تزاحم حيزه الجسدي، ما قد يزيد الشعور بالألفة، عوضًا عن التقليل من حضور العناصر، مع ملاحظة أن التسطيح لا ينجم عنه تجريدًا أو برودة بالضرورة.

وتُحَوِّل هذه التفصيلات الإنسانية الخبرة البصرية إلى خبرة وجدانية، وتعني الحالة الانفعالية والنفسية التي يثيرها العمل الفني في نفس المتلقي، ممثلةً في شعور الناظر بالأنس والألفة والانتماء، وتتأثر الخبرة الوجدانية بالأفعال والإيماءات والألوان والإيقاع، ومعرفة الناظر بالعالم المصوَّر في المنمنمة.

فحين يُبرز الواسطي -على سبيل المثال- في إحدى منمنماته وضعية الجلوس، والتفاتة الرأس، وحركة اليد، واجتماع الناس حول نشاط مألوف، فإنه يتيح للناظر التعرف على عالم المنمنمة، ويمنح الناظر مداخل عديدة لفهم المشهد، كما في منمنمة (الكُتَّاب)[14]، حيث تتيح ألواح صِبية الكُتَّاب، والمروحة المعلَّقة، وتفاعل الشخصيات مع بعضها البعض، تتيح للناظر التعرُّف إلى عالم من الأفعال اليومية.

فالمنظور يسمح بالاقتراب، والعلاقات الإنسانية البادية في العناصر التي تضمها المنمنمة تُضفي على هذا الاقتراب مضمونًا مألوفًا، ووضوح التفصيلات في المنمنمة وتعدد مواضع النظر إليها، يقرِّبان المتلقي أو الناظر من عالم الصورة، ويتيحان له حرية التجول فيه.

وهكذا يتشكل الشعور بالألفة نتيجةً عن تلاقي هذا الانفتاح المكاني وقابلية الأفعال والأشياء التي تتضمنها المنمنمة للتَعرُّف، مع بقاء الناظر على مسافة تأملية من الحدث (موضوع المنمنمة) وهذه المسافة تحفظ استقلال المشهد، أي أنها لا تعادل الدخول الكلي أو الاندماج التام فيه.

وإذا كانت الخبرة البصرية تدور حول علاقة الإنسان بالعالم، عالم المضيف/المنمنمة، فإن الخبرة الوجدانية تدور حول أحداث هذا العالم، ما يجعلنا نتساءل: هل تستمر الضيافة عند تغير موضوع/الحدث المصوَّر في المنمنمة؟ أم تتحول الضيافة إلى إقصاء مكاني ونفور وجداني؟ 

إن تأمل منمنمة تصور مشهد حرب -يحتفظ بالسمات التشكيلية نفسها- لا يمنح الناظر هذه الألفة والأنس والانتماء الطمأنينة التي تمنحها الضيافة؛ وإن استوعبه المشهد مكانيًا، ما يشي بأن الضيافة لا تتصل بغياب المنظور الخَطِّي، واختلاف العلاقات المنظمة للعناصر في المنمنمة فحسب، بل في نوعية موضوع/حدث المنمنمة، فلا يمكن لكل دواعي الضيافة السالف ذكرها في المنمنمة أن تتجلى في مشهد حربٍ مثلاً. فعندما حدد المطيري موضوعه ببهجة الضيافة لا مجرد الضيافة، فقد ضيَّق الموضوع، ليحدثنا عن استقبالٍ مشعرٍ بالأنس والترحيب والانتماء، لتصبح الضيافة خبرة تُشعِر الناظر بالبهجة، ويسهم بناء المكان في المنمنمة في توليدها عند تضافره مع العلاقات الإنسانية البادية في موضوع المنمنمة والإيقاع التشكيلي للمشهد. 

لكن المطيري- في تحليله لفلسفة الضيافة- لم يجعل الحرب نقيضًا للضيافة، بل مجاورًا لها، فيقول: لا تكون الضيافة خروجًا على عالم الصراع، بل هي الآخرية التي ترافق عالم الصراع ذاته، فالضيافة شكل من أشكال الانسجام مع عالم الصراع والحرب، ولكن بمعنى أنها جوار لذلك كله، وإنصات له كما ينصت المواسي لأنين الجريح ...الضيافة دائمًا على أطراف العنف والصراع والحرب[15]. 

ويقارب المطيري علاقة الضيافة بالحرب من خلال علاقة المستشفى بالمرض، ففيه يلتقي المرض بالصحة، ويتحول المرضى إلى أصحاء، فالمستشفى يعمل على إصلاح ما أفسده المرض، ولكن منطق المستشفى ذاته قائم على وجود المرض، واستمراره، والاستجابة له...للمستشفى بابان، باب على الصحة وباب على المرض، وللضيافة بابان باب على السِّلم وباب على الحرب[16].

ويمكننا اختبار هذه المجاورة في المنمنمة من حيث هي فنٌ تتجاور فيه أحداث العالم، المبهجة منها والمفجعة، وكما أن المستشفى يعمل على إصلاح ما أفسده المرض، فتوثيق المنمنمة لمشهد حرب يعمل تعزيز المعرفة وتوثيقها والاستفادة من ذلك كله بالاعتبار بالحدث، أو تفادي دواعي الحروب والمآسي، إنه الجانب الذي يُرينا أن المنمنمة لا تخترع عالمًا غير العالم الذي نحياه، بل تنبع منه وتنضح بتصوراته وتشاركنا أحداثه التي تتجاور فيها المؤنسات والمفجعات. 

ومع ذلك فنحن لا نألَف مشهدًا ويشعرنا بالأنس لمجرد معرفتنا بعناصره، أو لمجرد كونه متاحًا لنا بصريًا، بل لا بد أن تتوافر فيه متطلبات الخبرة الوجدانية المشروطة بالعلاقات الإنسانية البادية في موضوع/حدث المنمنمة، وهذا هو البعد الذي يمكن ملاحظته في منمنمات الواسطي على مقامات الحريري، نذكر منها على سبيل المثال: منمنمة المكتبة، ومنمنمة الوليمة، ومنمنمة أبي زيد والحارث عند قرية.

مجلس مكتبة البصرة 

تتصل هذه المنمنمة بالمقامة الثانية في المخطوط[17]، المعنونة بالمقامة الحلوانية في النسخ المطبوعة، ويظهر فيها مجموعة من الأشخاص الجالسين في مكتبة أو ما يعرف أيضًا بدار الكتب. 

وفي المشهد تظهر الكتب على الرفوف خلف الجلوس بأعداد وأحجام وتوزيعات مختلفة، وفي المقدمة نشاهد الجالسين وبينهم رجل يقرأ من كتاب بين يديه، وعن يمينه رجل، وعن يساره مجموعة من الرجال المتلاصقين، وكلهم ينظر للقارئ في المشهد مستمعين لما يقرأ، كما تُظهر مواضع بعض الأيدي سكون الجالسين وإصغائهم، وتُظهر حركة بعضها الآخر شكلاً من التفاعل مع ما يطرحه القارئ.

 إن هيئة الاجتماع وبناء المكان في المنمنمة مشعران بالأنس، إذ ينفتحان على الناظر في علاقة يبدو فيها قرب الجالسين من بعضهم مشعر بالألفة والانتماء، وأنسهم بالمعرفة (القراءة) مؤنس للناظر، ويبدو معه المشهد نفسه مستقبِلاً للراغب في الانضمام والاستماع والمشاركة.

 

وليمة تحت خيمة

في هذه المنمنمة المتصلة بالمقامة الرابعة والأربعين، المسماة بالمقامة الشتوية، ينزل الحارث ضيفًا على أهل بيت قادته إليهم أضواء نارهم المشتعلة من بعيد، فيدعى إلى وليمة، يُلقي خلالها أبو زيد ألغازًا على المدعوين. ولو عزلنا نص المقامة عن المنمنمة، للاحظنا اجتماع ثلاثة مظاهر من مظاهر الضيافة التقليدية في هذا المشهد، وهي: المجالسة، وتناول الطعام، والمؤانسة بالكلام، أي أن الحدث نفسه يحقق متطلبات الخبرة الوجدانية للضيافة والبادية في العلاقات الإنسانية في المشهد المصوَّر. 

أما خبرة الضيافة البصرية في هذا المشهد فتظهر في الحركة في تناول الطعام وتقديمه وتبادله بين أيدي الجواري، واختلاف وضعيات المدعوين واتجاهات رؤوسهم وأيديهم ونظراتهم وهم يتناولون طعامهم، أو يستدفئون بالنار، ما يجعل المشهد يتسع من حدث دائر بين شخصيات المنمنمة، إلى استضافة بصرية للناظر من خلال تكوين المنمنمة نفسه؛ إذ تبدو جماعة المدعوين مستقبِلةً لا مكتفيةً بنفسها.

أبو زيد والحارث عند قرية

تصور هذه المنمنمة المتصلة بالمقامة الثالثة والأربعين، المسماة بالمقامة البكرية، مشهدًا مختلفًا عن المشهدين السابقين، فهي لا تصور مشهدًا لمجلس داخل مكتبة، ولا وليمة تحت خيمة، بل مشهدًا أوسع تجتمع فيه عناصر متعددة، فنرى فيه البيوت والناس والحيوانات والأنشطة اليومية، ما يطرح بدوره على موضوعنا سؤالاً مختلفًا، ألا وهو: أيمكن لهذه المنمنمة إشعارنا بأن المكان مأهول ومؤنس حتى في حال انعدام وجود مجلس يستقبلنا؟

بالعودة لفكرة الضيافة في المنمنمات يوقفنا المشهد على ثلاثة أمور تستوقف الناظر، أحدها: انكشاف أجزاء من البيوت، ما يتيح للناظر رؤية أنشطة داخلها، وتبدو معه الحياة قريبة من المعاينة. وثانيها: توزيع التفصيلات اليومية في المنمنمة، كالمغزل والحيوانات وحركة ساكني القرية، ما يتيح للعين التنقل بين محطات عدة للتأمل. وآخرها: تجاور مستويات المكان في المنمنمة، ما يتنقل بعين الناظر بين البيوت والطريق وشخصيات المنمنمة، مع بقاء سطح الصفحة حاضرًا، وتتحقق في هذا كله إمكانية التجول في المنمنمة دون عُمْق موحِّد.

غير أن المفارقة التي تقابلنا في هذه المنمنمة أنها تابعة لمقامة عن قرية ذُمَّ أهلها بالبخل؛ ما قد يتعذر معه وصف هذه المنمنمة بحسن الضيافة بمعناها المعروف، وينبثق عن هذه المفارقة سؤال آخر، وهو: هل يمكن للصورة استقبالنا بالأنس، حتى حين لا يستقبل أهل الحكاية في نص المقامة أضيافهم بالكرم؟ 

بخلاف مشهد الحرب الذي لا تتحقق فيه الضيافة بشِقِّها الوجداني، فإن الضيافة بشِقِّيها البصري والوجداني خبرة قابلة للتحقق في هذه المنمنمة في حال عزلها عن سياقها الخطابي، أي عن مضمون المقامة، إذ يتأتى الشعور بالترحيب بصريًا والأنس والألفة والانتماء وجدانيًا في المشهد المصوَّر، رغم غياب قيمة الكرم في نص المقامة. 

فالمشهد المألوف للحياة في القرية وحركة الناس والحيوانات والأعمال والبوابات المنفتحة على أنشطة الحياة الداخلية في البيوت، والرجل المستقبِل في المشهد للراكبين على الجمال، كلها تنبض بالحياة، وتتحقق فيها صورة من صور الاجتماع الإنساني بعيدًا عن مضمون المقامة نفسه، إذ لا يصوِّر المشهد عراكًا، ولا صراعًا، ولا فزعًا، ولا استياءً تجاه الضيوف، بل الصورة موهِمة بحسن التلقي والاستقبال، ما يشير إلى استقلال الصورة عن النص، وعطاءاتها غير المشروطة بنصٍّ ولا ناظر.

ويعيدنا هذا لما ذكره المطيري حول لا مشروطية الضيافة وانفتاحها على الآخرية، فكما أن المضيف لا يسأل ضيفه عن هويته، فكذلك الصورة لا تعبأ بهوية الناظر إليها، فتستقبل الجميع بترحاب مؤنس[18]. 

 


 


[1] فلسفة الآخرية: الآخر بين سارتر وليفيناس وبهجة الضيافة، عبد الله المطيري، ص٣٧٢-٣٧٥.

[2] فلسفة الآخرية، ص٤١٤-٤١٥.

[3] المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ص٣٦٣.

[4] هناك من يفرق بين التزيين والتزويق؛ فالتزيين يعني زخارف متنوعة لا علاقة لها بنصوص المخطوط، مثل الحليات والذهب والزخارف الجمالية بأنواعها، في حين يعني التزويق الرسوم التي تبرز المشاهد في علاقة مباشرة مع النص، أو هي تمثيلات بالأشياء والأشخاص والمشاهد ذات العلاقة بالنص المدون. منمنمات مخطوط الشاهنامة للفردوسي المحفوظ بمكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض، عبد العزيز السالم، ص٧.

[5]المنمنمات الإسلامية في مشغولة فنية معاصرة، عبد الرحمن الشندويلي، ص١٤.

[6] لا تختص المنمنمات بالمخطوطات الورقية فحسب، بل تشمل الصور والرسوم على جدران البنايات الإسلامية المزخرفة بالكتابات المختلفة والزخارف النباتية والهندسية المتنوعة، كما تشمل الصور والرسوم على التحف الفنية من خزف ونسيج ومعادن وغيرها، وتتنوع زخرفتها بين كتابية ونباتية وهندسية، وبين الموضوعات والمشاهد التصويرية التي تحوي عناصر آدمية وحيوانية. منمنمات مخطوط الشاهنامة، ص٧.

[7] See: Use of Perspective in Pahari Miniature Painting: An Analytical Study, MManjeet Singh & DR. Him K. Chatterjee.

[8] بمقابل ذلك ظهر التأثير الأوروبي على فن التصوير الصفوي المتأخر في أمور منها: محاكاة الطبيعة، ومحاولة اتباع قواعد المنظور الخطي، خاصة في الصور المستقلة والصور الجدارية، ولم يكن بالتأثير الإيجابي مطلقًا؛ فقد أفقد فن التصوير الصفوي كثيرًا من مميزاته الفنية، وأصيب بشيء من الضعف، وابتعد عن الاهتمام بتصوير المخطوطات، مقارنةً بطراز المدرسة الصفوية الأولى.  منمنمات مخطوط الشاهنامة، ص٢٩.

[9]نسبة إلى واسط بجنوب العراق، وقد رسم الواسطي -الذي كان خطاطًا بارعًا كذلك- تسعًا وتسعين منمنمة على مقامات الحريري في المخطوط المحفوظ بالمكتبة الوطنية الفرنسية بباريس برقم (٥٨٤٧). ووصف الواسطي بأول الفنانين العرب، وكانت منمنماته نموذجِا لقدرة هذا الفن على التجدد وإن احتفظ بطابعه الخاص، وقد صورت منمنماته الحياة العربية الإسلامية في العصر العباسي، وتُصنَّف أعماله من روائع الفن الإسلامي، وهي أقدم عمل رسمه فنان عربي معروف الهوية. راجع ترجمته في موسوعة التصوير الإسلامي، لثروت عكاشة، ص٩٦-٩٧.

[10]ذو البلاغتين، أبو محمد القاسم بن علي الحريري، عالم لغوي وشاعر وأديب عربي، ولد في مشان من عمل البصرة، وهو أحسن من كتب في فن المقامة بعد مبدعها بديع الزمان الهمذاني، ضمت مخطوطة الحريري المعنونة بالمقامات الحريرية خمسين قصة مزجت بين الآراء الاجتماعية والأخلاقية وفنون العربية، كتبت بأسلوب نثري مسجوع. نسجت هذه القصص حول شخصيتين خياليتين هما الراوي الحارث بن الهمام، وبطلها أبو زيد السروجي. توفي الحريري سنة٥١٦ بالبصرة. راجع ترجمته في سير أعلام النبلاء للذهبي، ج١٩/ص٤٦١.

[11]من تلك المنظورات أيضًا منظور عين الطائر، كما في منمنمات المدرسة المظفرية.  منمنمات مخطوط الشاهنامة، ص٢٢.

[12] تواصلت مع الفنان على حسابه على أنستغرام للاستفسار عن مادة وسَّع فيها هذه الفكرة اللافتة التي ألقاها في أحد مقاطعه القصيرة المصورة، على قناته في اليوتيوب، لكنني لم أصادف جوابًا، رغم ترحيبه الكريم بالتواصل.

[13]إحدى المنمنمات العائدة للمخطوط المحفوظ بمتحف الميتروبوليتان للفنون بنيويورك، برقم (٦٣،٢١٠،٤) ويعدها المتحف جوهرة المجموعة الإسلامية فيه. 

[14]منمنمة ملحقة بالمقامة السادسة والأربعين في مخطوط (مقامات الحريري) المحفوظ في المكتبة الوطنية الفرنسية في باريس، برقم (٥٨٤٧) وهو المخطوط الذي ضم منمنمات الواسطي، أما في الكتاب المطبوع عن مخطوط آخر، فالمنمنمة ملحقة بالمقامة المعنونة بـ(المقامة الحلبية).

[15] فلسفة الآخرية، ص٣٩٩.

[16] المرجع نفسه، ص٤٠٢.

[17] صور المنمنمات تعود إلى المخطوط المحفوظ لمقامات الحريري في المكتبة الوطنية الفرنسية بباريس، ولم تعنون مقامات هذه النسخة، بل ذكرت بأسماء العدد، بخلاف النسخ المطبوعة عن مخطوطات أخرى، والتي سميت فيها كل مقامة باسم يخصها. 

[18]فلسفة الآخرية، ص٣٩٠.

المنشورات ذات الصلة

featured
Sart
Sart
·17-12-2023

شاعريّة المكان بين التّجلّي والتّخلّي: واقعيّة طه حسين وسرياليّة سلفادور دالي

featured
Sart
Sart
·20-12-2023

البراديغم الجماليّ

featured
Sart
Sart
·17-01-2024

سارت: أفقٌ رحب للفنون والجماليّات

featured
Sart
Sart
·23-01-2024

الفنّ التشكيلي الفلسطيني: ثوب كنعاني يحاول الاحتلال تمزيقه